اخترت لك

9/08/2008 

وصية يوم التخرج

في القسم فنون التربية

وصية يوم التخرُّج

هذه وصية الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه لتلميذه يوسف بن خلاد السَّمْتي البصري. وصى بها حين استأذنه الخروج إلى وطنه البصرة. فقال: لا، حتى أتقدَّم إليك بالوصية فيما تحتاج إليه في معاشرة الناس، ومراتب أهل العلم، وتأديب النفس، وسياسة الرعيَّة، ورياضة الخاصَّة والعامَّة، وتفقُّد أمر العامَّة.. حتَّى إذا خرجتَ بعلمك كان معك آلةٌ تصلحُ لك وتَزِيْنُك ولا تَشِينُك.

واعلم أنَّك متى أسأت عِشرة الناس صاروا لك أعداءً؛ ولو كانوا أمهاتٍ وآباءً، ومتى أحْسنت عشرة الناس من أقوام ليسوا لك أقرباءَ صاروا لك أقرباء. ثم قال لي: اصبر يوماً حتى أُفرِّغ لك نفسي، وأجمع لك هِمَّتي، وأعرِّفك من الأمر ما تحمدُني؛ وتجعل نفسك عليه، ولا توفيق إلا بالله.

فلما مضى الميعاد؛ قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا أكشف لك عمّا عزمت عليه..

كأني بك وقد دخلت بصرة؛ وأقبلت على المناقضة مع مخالفيك، ورفعت نفسك عليهم، وتطاولت بعلمك لديهم، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم، وهجرتهم فهجروك، وشتمتهم فشتموك، وضلّلتهم فضلّلوك، وبدَّعتهم فبدّعوك، واتصل ذلك الشَّين بنا وبك، واحتجت إلى الهرب؛ والانتقال عنهم، وليس هذا برأي  فإنَّه ليس بعاقل مَن لم يدار مَن ليس له من مداراته بُدٌّ، حتى يجعل الله تعالى له مخرجاً. قال السَّمتيُّ: ولقد كنت مُزْمعاً على ما قال!

ثم قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقك؛ فأنزل كلّ رجل منهم منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظِّم أهل العلم، ووقِّر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرَّب من العامة، ودارِ الفجار، واصحب الأخيار، ولا تتهاون بالسلطان، ولا تحقِرَنَّ أحداً يقصدُك، ولا تقصِّرنَّ في إقامة مودتك إياهم، ولا تُخرجنَّ سرَّك إلى أحد، ولا تثـِقَنَّ بصحبة أحدٍ حتى تمتحنه، ولا تُخادم خسيساً، [أي لا تتخذه خادماً] ولا وضيعاً، ولا تقولنَّ من الكلام ما يُنكر عليك في ظاهره.

وإياك والانبساطَ إلى السفهاء، ولا تجيبنّ دعوةً، ولا تقبلنَّ هدية [لعله في حال تولي القضاء؛ كما قال له الإمامَ مرة: كأني بك قاضياً]، وعليك بالمداراة، والصبر والاحتمال وحسن الخلق، وسَعة الصدر.

واستَجِدَّ ثيابَك، وأكثِر استعمال الطيب، وقرِّبْ مَجْلسَك [أي اجعله عامّاً أو كثيراً]، وليكن ذلك في أوقات معلومة.

واجعل لنفسك خلوة تَرُمُّ بها حوائجك، وابحث عن أخبار حَشَمك، وتَقدَّم في تقويمهم وتأديبهم، واستعمل في ذلك الرفق، ولا تكثر العَتْبَ فيهونَ العَذْلُ. ولا تلِ تأديبهم بنفسكَ، فإنَّه أبقى لِمائك، وأهْيبُ لك.

وحافظ على صلواتك، وابذل طعامك؛ فإنه ما ساد بخيلٌ قطُّ، وليكن لك بطانة تعرِّفُك أخبار الناس، فمتى عَرَفت بفساد بادرت إلى صلاح، ومتى عرفت بصلاح فازدد رغبة وعناية في ذلك، واعمد في زيارة مَن يزورك ومن لا يزورك، والإحسان إلى من أحسن إليك أو أساء.

وخذ العفو وأْمر بالمعروف، وتغافل عمّا لا يعنيك، واترك كلّ من يؤذيك، وبادر في إقامة الحقوق.

ومن مرض من إخوانك فعُده بنفسك، وتعاهَدْه برُسُلك. ومن غاب منهم فتفقَّد أحواله. ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت عنه.

وصِلْ من جفاك، وأكرمْ من أتاك، واعفُ عمَّن أساء إليك. ومن تكلَّم منهم بالقبيح فيك فتكلَّم فيه بالحسن الجميل. ومن مات قضيت له حقَّه، ومن كانت له فرحة هنّيته بها. ومن كان له مصيبة عزَّيتَه عنها. ومن أصابه همٌّ فتوجَّعْ له به. ومن استنهضك لأمر من أموره نهضتَ له، ومن استغاثك فأغثه، ومن استنصرك فانصره. وأظهِر التودد إلى الناس ما استطعت. وأفشِ السلام؛ ولو على قوم لئام.

ومتى جمعك وغيرَك مجلسٌ أو ضمَّك وإياهم مسجد؛ وجرت المسائل، وخاضوا فيها بخلاف ما عندك لم تُبْدِ لهم منك خلافاً. فإن سُئلت عنها أجبت بما يعرفه القوم، ثم تقول: (وفيها قول آخر.. كذا، وحُجَّته كذا). فإذا سمعوا منك عرفوا قدرك ومقدارَك؟ وإن قالوا: هذا قول مَن؟ فقل: (قول بعض الفقهاء).

وإن استقروا على ذلك، وألفوه، وعرفوا مقدارك وعظّموا محلك فأعطِ كل من يختلف إليك نوعاً من العلم ينظرون فيه، ويأخذ كل منهم بحظِّ شيء من ذلك. وخذهم بجَليّ العلم دون دقيقه.

وآنسهم ومازحهم أحياناً  وحادثهم؛ فإنها تجلب المودةَ وتستديم به مواظبةَ العلم، وأطعمهم أحياناً، واقض حوائجهم، واعرف مقدارهم، وتغافل عن زلاتهم، وارفق بهم وسامحهم. ولا تُبدِ لأحد منهم ضِيْق صدر أو ضجراً، وكن كواحد منهم. وارضَ منهم ما ترضى لنفسك. وعامل الناس معاملتك لنفسك. واستعن على نفسك بالصيانة لها، والمراقبة لأحوالها. ولا تضْجر لمن لا يضجر عليك. ودع الشَّغَب، واستمع لمن يستمع منك، ولا تكلِّف الناس ما لا يكلِّفونك، وارضَ لهم ما رَضُوا لنفسهم، وقدِّم حسن النية، واستعمل الصدق واطرح الكِبر جانباً. وإياك والغدرَ وإن غدروا بك، وأدِّ الأمانة وإن خانوك. وتمسَّك بالوفاء، واعتصم بالتقوى.

وعاشر أهل الأديان حسَب معاشرتهم لك، فإنك إنْ تَمَسَّك بوصيتي هذه رجوت أن تَسلم وتعيش سالماً إن شاء الله تعالى.

ثم إنه ليحزنني مفارقتك، وتؤنسني معرفتك؛ فواصلني بكتبك، وعرفني بحوائجك، وكن لي كابن فإنّي لك كأب.

قال يوسف بن خالد السَّمْتيُّ: ثم أخرج إليَّ دنانير وكسوة وزاداً وخرج معي، وحمَّل ذلك حمَّالاً، وجمع أصحابه حتى شيَّعوني، وركب معهم حتى بلغنا إلى شط الفرات، ثم ودعوني وودعتهم.

وكانت منَّةُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى بوصيته إليَّ وبِرِّه أعظم من كل مِنَّة تقدَّمت عليَّ.

وقدِمْتُ البصرة، فاستعملت ما قال، فما مرَّت عليَّ أيام يسيرة حتى صاروا كلهم لي أصدقاء، وانتقضت المجالس، وظهر بالبصرة مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، كما ظهر بالكوفة، وسقط مذهب الحسن وابن سيرين رضي الله عنهما، فما زالت كتب أبي حنيفة تجيئُني إلى أن مات رحمه الله تعالى.

[طبعت هذه الوصية الذهبية بذيل كتاب: "تعليم المتعلم طريق التعلم" للزرنوجي، تحقيق الشيخ عبد الجليل العطا، دار النعمان ـ دمشق، ط1/1418هـ ـ 1998م].

:: ابعث اصديق !

عني

مدونات مختلفة في موضوعات اجتماعية وثقافية وهي اختياراتي من قراءاتي ومما وصلني بالبريد الإلكتروني

«  نوفمبر 2008  »
الاالثالأالخالجالسالأ
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930

مدوناتي الاخيرة

وفي السماء رزقكم وما توعدون
لعن الله منْ كان أقل إفهامًا منا لصاحبهِ
تاريخ شبكات الاتصال
الحياة وكرات الغولف
يا من تتقلب في النعم ولا تخشى النقم
دروس من الحياة
أسخياء المسلمين
كيف تتخلصين من حماتك؟
عرق النسا
حياتي كلها لله
أسس اختيار الخطيبة أو الخطيب
أحياناً
النصائح الذهبية في الإغاظة الزوجية
الإداري المتميز وعلامات الإبداع
نصائح للتحكم في الدخل الشهري
حق الجسد والعقل والروح علينا
زوج يؤدب زوجته بطريقه رائعة
ضاع العمر بغلطة
كيف تحبك؟
الحجر الصغير في السد الكبير
العزاء
قال الراوي
سبب الأزمة المالية.. أنتم!
أمة لا تقرأ
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
كيف ننمي الابتكار لدى الأطفال؟
الأهداف النبيلة تصنع الناجحين
أنواع الصبر
ضع نفسك مكاني عندما أخطئ، ثم احكم علي
كن متميزاً
لماذا لا أحب أن أزور المترفين؟
وقفة تأمل
أيهما أصعب اللغة العربية أم الإنجليزية؟
بعض ما قيل في الرجل
قوة الشخصية هي مفتاح نجاحك
لماذا يهاجر العربي من وطنه؟
حقائق عن الفشل
لا أستطيع أن أجلس بجانب رجل مقرف!
تفسير مبسط وطريف!
إنه يريد أن يتزوج بأخرى!!!
كلمات من خبرة الحياة
الكاميرا الخفية
عهد
طرق سهلة لكسب مودة الناس
شخصيتك من خلال معجون أسنانك
يا ابن السوداء!
المهندسونَ: عقولٌ وآمال
كتاب غربيون: الشريعة تنقذ اقتصاد العالم
فنون للقضاء على الفتور في العلاقات الأخوية والأسرية
فن التفاوض

الروابط

الرئيسة
الملف
الارشيف
الاصدقاء
هذه المدونة... لماذا؟
بريدي الالكتروني
خلاصات مدونتي
مقالاتي
كتب للتحميل
الجنس اللطيف
لمسات إنسانية
ثقافة الحياة
مع الله
موضوعات ثقافية
فنون التربية
طرائف
أعمال إيجابية
الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم
الحياة الأسرية
طب وعلوم وتقنية

الأصدقاء

عناوين أخرى

اكتب كوم
إبدأ مدونتك
دليل المدونات
التدوينة من  120  إلى  964 

الصفحة السابقة | الصفحة التالي
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال