أردت إجابة على سؤال يدور بخاطري منذ زمن أود لو شاركني أحد بخبرته. ففي الآونة الأخيرة كثرت الكتب التي تدعوا إلى التصالح مع الذات وتقبلها. هذه الكتب وجدت صدى في داخلي، لكن... ماذا سيكون أثر هذه الترجمات في واقعنا العربي؟ شخصيات كثيرة ممن قابلتهم بمختلف الأعمار والمستويات... تعيش على مبدأ... يا جبل ما يهزك ريح... هكذا أراهم. تقتلني ثقتهم بأنفسهم... وقدرتهم على الجدال... وعدم احتمال وقوعهمبالخطأ فهم دائما على صواب. فهل يحتاج مثل أولئك لما يعزز جبروتهم؟
وكان جوابي هو الآتي:
المشكلةالكبرى في الإنسان هو أنه لا يعجبه شيء سوى عقله. وهناك نسبة قليلة منالناس غير راضين حتى عن أنفسهم. وهؤلاء نسبتهم قليلة، وهم استثناء. إنهمينقضون اليوم ما قالوه أو فعلوه بالأمس وهؤلاء لا يعول عليهم لأنهم غير طبيعيين. نعود للكثرة الكاثرة. فأغلب الناس راضين عن أفعالهم. وقليل من الناس من يعتذر إذا حصل منه تصرف خاطئ. نعم القليل فقط يعتذر. أماالأكثر فيبررون تصرفاتهم، ولو أرادوا الاعتذار فإنهم يضعون الحق على الآخرفي تصرفهم الخاطئ، ويعتذرون بطريق غير مباشر لحفظ ماء الوجه كما يظنون. وهذا ينطبق على البشر عموما بغض النظر عن أصلهم وفصلهم. وتلعب البيئة والتربية دورا مهما في مثل هذه الأمور. التصالحمع الذات قائم فعلا دون الإفصاح عنه. أقول دائما لطلابي: هناك مشكلة بينالأساتذة والطلاب، بين سائقين السيارات والشرطة، بين الآباء والأبناء... الخ كلطرف يظن نفسه أنه على صواب والطرف الآخر على خطأ، ولا يكلف نفسه دراسةالموضوع لمعرفة الصواب، إنه يريد أن ينال أكبر ما يمكنه، ولو على حسابالآخر. فمثلاً يشتكي الأساتذة أن الطلاب لا يفهمون، في حين يشتكي الطلابأن الأساتذة لا يتكلمون شيئا مفهوما. حضرت مؤتمرا علميا واستمعت في جلسة واحدة لأربعة أساتذة جاؤوا من الخارج. ثلاثة منهم لم أفهممنهم الموضوع الذي طرحوه، رغم أنهم عرضوا ببرنامج البوربوينت صورا ظريفة ونتائجقيّمة. فقلت لنفسي ويح طلابهم كيف يأخذون منهم العلم. وقد ظنوا أنهم قالواما لم يقله الأولون والآخرون. قال أحدهم لصاحبه: لم لا تفهم ما يُقال؟ فأجابه: لم تقول ما لا يُفهم؟ مابرز على السطح من كتب يبدو أنه محاولة لتأصيل هذا الموضوع. وقد يكون هناكضرورة للتصالح مع الذات فيما لا يضر الآخرين. فمثلاً إنسان سمين حاولمرارا أن يخفف من وزنه ولم يفلح. فهذا مطلوب منه أن يتصالح مع ذاته حتىيقبل نفسه كما هي ولا يكرهها. أما عندما تكون هناك علاقة مع الآخر فالأَوْلى التصالح مع الآخرين. عندما كتبت جملة "التصالح مع الذات" في جوجل فوجئت بكثرة المواقع التي تتكلم عن الموضوع. أنصح بدراسة النفس البشرية وتصرفاتها حتى نستطيع أن نفهم تصرفات الآخرين. وأناأقول عن تجربة مع كثيرين: قلة من الناس عندهم الرغبة في يفهم الآخرين،والكثرة يفسرون تصرفات الآخرين دون البحث عن الأسباب، بل يكتفون بتفسيرها علىخلفياتهم هم. وبعض الناس يزيدون في هذا الاتجاه كثيرا. فمثلا اتصل شخص على زميل عمل فوجد خط هاتفه مشغولاً. ثم اتصلعلى زميل آخر فوجد خط هاتفه مشغولاً أيضاً. فما كان منه إلا أن ربط بينالأمرين، وقال لنفسه: إنهما يتكلمان معاً، وأخذ يفكر ماذا يمكن أن يكونا قد خططا ضدهفي تلك المكالمة... وفي اليوم التالي أخذ يستدرج كل واحد منهما ليعرف النتيجة... إلى أن تبين له أن كل واحد كان يكلم شخصا آخر، ورغم ذلك بقي في نفسهشك! أليس هذا مرض؟