إنعاش القيم
د.عبد الكريم بكار
إن الله فطر الإنسان على التسامي على كل من الغرائز والمنافع المادية، حيث إن في أعماق كل واحد منا تشوقاً غامضاً إلى بعض المعاني النبيلة من نحو: التضحية والعطاء والمعاونة والتسامح والكرم والإيثار وتأجيل الرغبات... وهذا التشوق والتطلع مع أصالته وعمقه يحتاج إلى رعاية دائمة، فهو مثل النبتة العزيزة التي تحتاج إلى سقاية وتعشيب ومكافحة للحشرات التي تضّر بها. وإن من الملاحظ أن هذه المعاني النبيلة تكون أوضح وأقوى في المجتمعات والبيئات الضيقة، كالقرى الصغيرة، وفي البيئات المتوسطة من الناحية المعيشية أو ما يمكن أن نطلق عليها المصطلح الشعبي القديم (الأسر المستورة). وحين يسكن الناس في مدن كبرى، وحين يغرقون في الثراء والرفاه، فإن هذه المعاني تنكمش عند كثيرين منهم، ولا أريد أخوض في أسباب ذلك، لكن من الواضح أن الناس حين يدرجون في سلم الحضارة يتفتح وعيهم على مصالحهم الشخصية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، أي تنمو لديهم المعاني ذات البعد الشخصي البحت، مثل الأثرة والشح والاقتصاد والتدبير والحرص على الراحة الشخصية، والبحث عن الملذات الخاصة. بمعنى آخر: المزيد من التمحور حول الذات، والمزيد من الإهمال للشأن العام. هذا الذي نتحدث عنه اليوم تحدث عنه بعض الكتاب الغربيين من نحو نصف قرن وشكوا من نحو ما نشكو منه في هذه الأيام، ولا عجب فأمم الأرض - ولا يكاد يوجد أي استثناء واضح - جميعاً تدور اليوم في فلك الغرب، وتنسج على منواله. ومن المهم أن ندرك أننا لا نستطيع أن ننعش قيم التضحية والعطاء... في الوقت الذي نريد فيه الحصول على أكبر قدر من المكاسب الخاصة والتمتع بأعلى درجة من الرفاهية. إن هذا لا يستقيم مع ذاك، ولابد من التضحية بأحدهما أو بشيء منه حتى يستقيم أمر الآخر. القرآن الكريم يؤكد لنا في مواضع كثيرة على أن من الضروري أن نتعلم التخلي عن بعض المنافع العاجلة في سبيل الفوز بالخلود الأبدي. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وللآخرة خير لك من الأولى)) وقال في الأنصار: ((ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)). إن إنعاش القيم النبيلة التي أشرنا إليها يحتاج على الصعيد الفردي إلى المجاهدة في ذات الله. والطريق بحمد الله واضح، ويحتاج على الصعيد الاجتماعي إلى عدد كبير من المؤسسات والبرامج والمشروعات والأنشطة ذات النفع العام، وعلى المدارس في كافة المراحل أن تطلق الكثير من البرامج التدريبية على الخدمة العامة. العمل التطوعي يصقل نفوس العاملين فيه ويساعد على حل المشكلات لأعداد كبيرة من الناس، ويقدم بالإضافة إلى هذا وذاك نماذج حية في التضحية ونكران الذات يقتدي بها كثير من الناس. إن الكسل وعدم الاكتراث والانهماك في خدمة الذات من أكبر المعوقات التي تحرم الناس من الاستمتاع بالقيم النبيلة، وإن الوعي والعلم ورجاء ما عند الله تعالى من أكبر ما يحّرض على البذل والجود. فأين المشمرون؟ |