بطيء لكنه فعال
د. عبد الكريم بكار
إذا تأملنا في حركة الإصلاح على مستوى العالم قديماً وحديثاً لوجدنا أن عنق الزجاجة الذي يمكن لكل شيء أن ينحبس فيه، ويتعطل بسببه كل شيء هو هذا الفرد ذو الرغبات، والتطلعات والمشتهيات وذو العادات والتصورات والقناعات... ما قيمة كل ما تم من التقدم الطبي بالنسبة إلى مريض بالسكر يرفض اتباع حمية نصحه بها أطباؤه؟ وما قيمة كل المعلومات التي تحذر من الدخول في مشروع ما بالنسبة إلى رجل أدمن المغامرات، ويسعى خلف سراب (ضربة الحظ)؟ وما، وما... لن تتقدم هذه الأمة إلا على مقدار ما تحدثه شريحة كبيرة من أبنائها، على صعيدهم الشخصي: على صعيد الروح والعلم والخلق والكفاءة والتهذيب... وفي هذا الإطار أود أن نعتمد سياسة التغيير البطيء، نحن نريد أن نتقدم ببطء شديد، لكن مع كل العزيمة والإصرار والثقة بأن لا نتراجع إلى الوراء، وننكص على أعقابنا. نحن لا نريد من المدخن أن يترك التدخين فجأة، ويعود إليه بعد أيام بنهم شديد ليعوض ما فاته. ولا نريد من المعرض عن القراءة أن يقطع على نفسه العهود بأن يقرأ كل يوم أربع ساعات، ولا نريد ممن لم يتعود الصدقة أن يدفع لفقير الألوف... نحن لا نريد شيئاً من ذلك، نحن لا نريد الطفرة والقفز السريع، وإنما نريد الفطرة القائمة على التدرج والتغير البطيء. ليترك مدمن التدخين كل أسبوع سيجارة، وليحاول المعرض عن القراءة أن يبدأ بقراءة نصف ساعة في اليوم، وليحاول الممسك للمال أن يتصدق كل يوم بريال أو درهم، وليحاول المحروم من الاستيقاظ قبل الفجر أن يستيقظ في البداية مرة في الأسبوع... لكن مع العزيمة على الثبات والاستمرار على هذا الشيء القليل، ثم يزيد فيه كل مدة بحسب ما يستطيع. إذا تعود الواحد منا عادة حميدة، فليجهر بها أمام أهله وخلص أصدقائه، وإذا ترك شيئا سيئاً، فليفعل مثل ذلك حتى يكونوا سندا له وعونا على الثبات والمضي نحو الأمام. إن تغيير الأخلاق والعادات ليس بالأمر اليسير، لكن حين يحدث فإن العالم من حولنا يتغير، وصدق الله تعالى إذ يقول: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير وا ما بأنفسهم)). |