أردتك أسدا لا ثعلبا
بقلم: عبد الله بن عيد العتيبي
قيل أنه كان لأحد التجار ولد وحيد، فلما بلغ أشده أعد له أحمالاً من البضائع النفيسة، وأرسله يتاجر بها، فبينما هو سائر بأحماله، وقد توسط البرية، رأى ثعلباً قد شاخ وكبر حتى عجز عن المشي ولم يعد يستطيع أن يخرج من جحره إلا زاحفاً، فقال في نفسه: ما يصنع هذا الثعلب في حياته؟ وكيف يقدر أن يعيش في هذه الصحراء المقفرة، وهو لا يقدر أن يصيد؟ وبينما هو كذلك إذ بأسد قد أقبل وفي فمه كبش، فوضعه على مقربة من الثعلب وأكل حاجته، ثم تركه؛ وانصرف، فأقبل الثعلب يجر نفسه إلى أن أكل ما تبقى عن الأسد، وكان ابن التاجر ينظر إليه. فقال: سبحان الله، يرسل الرزق للثعلب وهو في مكانه لا يستطيع المشي وأنا أتعب وأسافر لأرتزق! فعاد وأخبر والده بالأمر، فقال الأب: إني أرسلتك تتجر وتتعب كي تكون أسداً تطعم الناس،لا أن تكون ثعلباً تنتظر أن يطعمك سواك.
رغم طرافة هذه الحكاية وربما عدم وقوعها لكن أحببت أن أجعلها مدخلا لمفاهيم ومعان بودي أن نقف عندها نتأملها جيدا لتكون واضحة في أذهاننا فنستفيد منها ونؤصلها في أنفسنا وفي الآخرين.
الأولى: لا تكن عالة على غيرك بل اسعَ في الأرض!
لأن ابن التاجر اعتاد أن يعيش عالة على والده، يصرف عليه ويعطيه فكان أول ما تبادر إلى ذهنه أن يصنع كما يصنع الثعلب لا الأسد فرجع لوالده يحمل مفهوم التواكل لا التوكل، وفرق بينها، ففي الأول اعتماد على الله - سبحانه وتعالى - لكن بدون بذل سبب إنما مجرد تمني، والثانية اعتماد عليه سبحانه مع بذل الأسباب. وهذا المفهوم يجدر بنا أن نؤصله في أنفسنا واقعيا بعيدا عن النظريات وأن نسترشد فيه بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" وأن نحذر من القعود سواء كان عن عمل الآخرة أو عن عمل الدنيا. ولقد عاب الله على الذين تخلفوا عن الغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين".
الثانية: علينا أن نهجر عالم الأماني والأحلام وأن نخوض غمار الحياة، لأن المطالب العالية لا تأتي بالأمنيات بل بالتضحيات. ورحم الله شوقي إذ يقول:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
فمن كان يتوقع أن يحصل على ما يريد بمجرد أنه يعرف ما يريد أو أن يتمناه فقد أخطأ، إذ لا بد من السعي والطلب. يذكر أنتوني روبنز في كتابه "قدرات بلا حدود" أنه درس الأسباب التي بذلها الكثير من القادة والمؤثرين في حياة شعوبهم أيان كانت مبادئهم سواء مبادئ إصلاحية أم تدميرية فوجد أنها وضوح الهدف والسعي الدؤوب لتحقيقه. لم يعرف أن مزرعة أثمرت بمجرد أمنيات المزارع، وهذا المبدأ ليس بجديد علينا أمة الإسلام لننتظر أنتوني ليخبرنا به بل هو أصيل في شريعتنا الغراء، وكثيرا ما أمرنا الشارع به ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ"، وكذلك قوله جل في علاه "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". وهنا يجب التذكير بأنه لا بد مع العمل من الاستمرار لأن الأمور بعواقبها وخواتيمها. |