محب الكمال
أنا وصديقي نعمل في مؤسسة واحدة، لكن في قسمين مختلفين فيها. كلانا محب للكمال. وكما يقال: لا يعجبنا العجب، ولا الصيام في شهر رجب. يحلو لنا عندما نلتقي أن نمضي الوقت في نقد الآخرين، ولاسيما مديري الأقسام وإدارة الفرع، والإدارة العامة للمؤسسة. نصفهم بكل الأوصاف الممكنة، فهم جميعا مستبدون بالرأي، لا يسمعون النصح، ولا يأخذون برأي غيرهم، وآراؤهم سخيفة لا ترقى لأن تطبق... إلى آخر ما هنالك من أوصاف، قد تخطر بالبال وقد لا تخطر.
ولأننا لا نعمل في بلدنا فلم تتح لنا الفرصة لأن نستلم مناصب إدارية، فهذه المناصب في مؤسستنا خاصة بأهل البلد. ولذا لم نجرب أبداً ما يعانيه أي مسؤول أو أي مدير من مشكلات أو مصائب سواء من مرؤوسيه أو مديريه. ولم نكن ندري أن نهاية الأسبوع التي هي عطلة لنا، هي في الحقيقة أيام عمل لهم. يعقدون فيها الاجتماعات ويقضون الأوقات في التخطيط، ونحن مع أهلينا نمرح ونلعب.
لكن كيف اكتشفت هذا؟
في السنوات العشر الأخيرة بدأت أقرأ الكتب الحديثة في الإدارة وطرق التعامل مع الناس وعادات الناس الناجحين والأساليب المؤدية للنجاح... الخ. وقد استفدت منها كثيراً. وحاولت أن ألفت نظر صاحبي لقراءة مثل هذه الكتب، لكن دون جدوى. لاسيما عندما رأى أنني بدأت أغيِّر طريقتي في النقد، فلم يعد نقدي لغرض النقد، وإنما صار نقداً بنَّاءً.
وبدلاً من الاستمرار في الطريقة العبثية التي كنت أنتهجها في توجيه النقد اللاذع في الاجتماعات أصبحت أقرأ البنود التي ستعرض في الاجتماع، وأحضِّر لها جيداً بما أستطيع، وأجمع المعلومات، ولاسيما ما عملته المؤسسات المماثلة بغرض نقل خبرتها إلينا. كما أصبحت أقرأ قرارات المؤسسة وأخبارها بشكل مختلف لأصبح عامل بناء بدلاً من أن أكون معول هدم.
ومن الطرق الجديدة التي صرت اتبعها هو كتابة ما أريد أن أنقله إلى المسؤولين. وقد اكتشفت أن طريقة الكتابة هي أفضل من النقد الشفهي، لأنني أعيد قراءة ما كتبت مرات ومرات قبل أن أبعثه إلى المسؤول. وبالتالي فإن كتابتي تأتي قدر المستطاع خالية من الأخطاء والسقطات. إذ أصبحت أضع النقاط على الحروف دون مبالغة أو تهويل، كما أحاول أن أخفف من لهجتي حتى يلقى كلامي قبولاً، ولطالما حذفت وغيَّرت وقدَّمت وأخَّرت. ثم إنه يستحيل علي أن أكتب رسالة كل يوم، ومن هنا فقد أصبح نقدي محدودا ويصل إلى الهدف بأقصر عبارة ممكنة.
ومع دخول البريد الإلكتروني صار الوصول إلى المديرين جميعاً أسهل، في حين كانت المراسلة سابقاً عن طريق التسلسل، وكم من مدير يبقي الرسائل التي لا تعجبه في الدرج ولا يرفعها إلى من هو أعلى منه.
نعم بقيت مع مديري المباشر أتعامل وجهاً لوجه، فأعطيه رسائلي الموجهة له يداً بيد، أما المديرون الذين فوقه فصرت أرسل إليهم عبر البريد الإلكتروني. وللعلم فإني خلال سنتين كاملتين لم أرسل للمدير العام سوى رسالتين، وللمدير المباشر سوى عشر رسائل، وبين هذين الرقمين إلى مدير الفرع.
أرسل رسائلي ناصحاً أو منبهاً إلى أمر مهم، ولكني لا أتابعها أين ذهبت، فحسبي أني قدمت النصح الواجب في الشرع. فإذا لم يأخذ بها المسؤول فهذا شأنه. ولطالما ظننت أن رسائلي تذهب هباء منثوراً.
لكني دُهشت مرة عندما سألني موظف: هل عندك أصل المعاملة التي قدمتها للمدير مطبوعة على الحاسب؟. سألته في استغراب: وأي معاملة؟ فأطلعني على رسالتي التي أرسلتها للمدير العام منذ فترة، فإذا بالمدير قد وزعها على مديري الفروع والأقسام، وأعضاء مجلس الإدارة، والمستشارين، لدراستها وإبداء الرأي حولها. فعلمت أني أخطأت من عدة نواحٍ، أولها أني كنت أغتابه وأتهمه بعدم السماع للنصح، وثانيها أني كنت أظن أن المدير مستبد بالرأي، فإذا بي أفاجأ بأنه لا يتخذ قراراً من عند نفسه وإنما يحيل كل أمر لمجلس الإدارة أو لمجلس المستشارين أو لمجلس المديرين، كل حسب اختصاصه، وتصدر قراراته كلها من خلال مجالس المؤسسة أو بما تفوضه به المجالس.
أما صاحبي فلم يتغير قيد أنملة عما كان عليه. واستمر على نهجه، يوجه النقد اللاذع دون أن يقدم البديل المناسب. حاورته كثيراً فلم أفلح معه. إنه اتخذ لنفسه الطريق الأسهل. لا يكف عن نقد المديرين "الصغار" الذين تسلقوا الكراسي على أكتاف غيرهم، والذين تنقصهم الخبرة المتوفرة لدى أمثاله الذين هم أحق بالمناصب من أولئك... إلى آخر القائمة الجاهزة من النقد والتجريح المباشر وغير المباشر. فمدير القسم مستبد بالرأي لأنه لا يأخذ برأيه، والمدير العام دكتاتور زمانه... سألته مراراً وتكراراً: هل تعتقد بأن رأيك هو الأصوب؟ فيسكت. هل تظن أن رأيك هو الوحيد المقدَّم للمدير؟ فيسكت. هل في اجتماعكم الدوري كان رأيك وحيداً حول المسألة؟ هنا لا يتوانى عن وصف جميع الآراء التي قُدمت بأنها آراء صبيانية بعيدة عن الواقع والطموح... وأن رأيه لم يُسمع ولم يُؤخذ به، رغم أنه صاحب الخبرة والسمعة... الخ.
ولما لم يعد يستطيع التحمل والبقاء في المؤسسة فقد استقال ورجع إلى بلده، حيث كانت وظيفته السابقة تنتظره. ومن حسن حظه أن المسؤولين الذين يعرفونه قد تغيروا. ولذا فقد استطاع أن يقنع المدير العام بإنشاء قسم خاص ولاّه المدير العام إدارته. لكن هنا جاءت مصيبته. فهذه أول مرة يستلم فيها إدارة، فكانت مهمة صعبة بذل فيها كل جهد ممكن حتى أقام القسم على رجليه، واختار له من المهندسين والموظفين من كان على مزاجه. لكنه لم يكن أحسن من أي مدير مر عليه، فما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأ العاملون تحت إمرته يتهمونه بالاستبداد بالرأي. وحيث أنه لم يكف عن انتقاد الإدارة العليا فإنهم ما لبثوا أن ضاقوا به ذرعاً. وبعد سنتين، ولدى عودته من إحدى المهمات خارج البلد وجد قرار المدير العام بتعيين مدير غيره للقسم الذي بناه بيده.
وبدأ دوامة النقد من جديد، حيث عاد إلى مهندس تحت إمرة "صبي صبيان المدير العام" حسب تعبيره. ومن الطبيعي أنه لا يستطيع البقاء في وضع كهذا. وقد علمت حكايته عندما أرسل لي يقول: لقد راسلت مدير قسمي السابق في مؤسستكم للعودة إلى عملي عندكم لكنه لم يرد علي، فهل تستوضح منه الأمر؟
ولما سألت هذا المدير أخبرني ببرود أنه استلم أوراقه لكن ليس لديه في الوقت الحاضر وظيفة تناسب صاحبي. ثم عاد صاحبي يطلب مني رقم هاتف هذا المدير، فأرسلت له الرقم، لكن يبدو أنه لم يفلح بإقناعه بشيء، فهو أعرف الناس به، ويعرف لسانه السليط الذي لا يكف عن النقد، رغم يعرف أنه يقوم بما يكلف به على الوجه المناسب. لكن هذا لم يشفع له عنده. |