العيد ميلاد مجتمع
يودعنا رمضان برحمته ومغفرته وبره وبركاته وأنواره، يودعنا شهر التقوى مخلفاً بين أيدينا كتاب الله. كتاب الذكر والذكرى والمنهج والبصيرة.
يوعدنا شهر الخير ليسلمنا إلى يوم (الجائزة)، يوم العيد الذي يغدو فيه المسلم على رب كريم لينال جائزة صيامه وقيامه وصلواته وصدقاته.
وفي إطار الفهم الإسلامي يتجلى العيد استمراراً للنسك، وتباعاً للطاعة لتكون الأيام من بعد صحائف أعمال يخط فيها كل امرئ ما كسبت يمناه أو جنت يسراه.
ويتجلى العيد في معنى من معانيه السامية ولادة حيوية لمجتمع يقوم على التواصل والتعاون والتناصر والتكافل وضم الجهود لتحقيق العظيم من الأمر والمهم من الشأن الذي لا يستطيعه الفرد بمقدراته الذاتية.
وكما يمتاز المسلم عن غيره في شخصيته الكلية وفي عنوانه واعتقاده وتفكيره وشعوره وسلوكه، يمتاز المجتمع المسلم عن غيره في غايات وجوده، وأهداف تحركه، وقواعد ترابطه. للفرد المسلم دائرة نشاطه الفردي، ونشاط الفرد المسلم الحيوي كله إسلامي. وللمجتمع المسلم دائرة نشاطه الجماعي الحيوي المشترك الذي يؤسس له ابتداء الأمر الرباني (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب). بناء الحياة الإسلامية الجماعية، والقيام على أمرها، والتعاون على تحقيق مقاصد الشريعة وأهدافها أمر رباني ناجز يقتضي الامتثال والطاعة والسعي إلى تحقيق الواجب من أيسر السبل وأقربها.
لقد أتى على المسلمين حين من الدهر ضمرت فيه حياتهم الاجتماعية، وتوارت أنشطتهم الجماعية، وتقلص نشاط المسلم، إلى دائرة فردية، بل اقتصر الوجود الإسلامي في حياة الفرد على بعض العناوين أو الشعائر. ووضعت الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) في غير موضعها. فغض المسلم الطرف عن مجتمعه وحيّه وأسرته ورفاق مدخله ومخرجه ومطعمه ومشربه. كانت الفيئة في حياة المسلمين العامة إلى نوع من الكمون والعزلة والانفراد واعتزال أمر العامة، والاهتمام بالخويصة، خوف أذى أو اتقاء شر أو تواهناً وكسلاً، وربما أحياناً بسبب قصور في الإدراك عن أهمية الشعائر والشرائع الإسلامية الجماعية، التي لا تؤدى ولا يستقيم لها أمر إلا في جماعة المسلمين.
وامتدت حالة النكوص في بعض الأحيان لتشمل حالة من القطيعة بين ذوي الرحم، فقطع المسلم رحمه، وهجر العم والخال والأخ والأخت وأوصله الانشغال بهموم الدنيا إلى قطيعة الوالدين التي تدخل صاحبها في باب العقوق. لقد عطف القرآن الكريم قطيعة الرحم على الفساد في الأرض (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم) لأن تدمير بنية المجتمع المسلم هي نوع من تدمير معالم الصلاح والبر والخير في حياة الناس.
وفي مقابل المجتمع المتفكك الواهن الذي تسلل إلى أمة الإسلام عبر عصور التراخي والوهن، يهددنا في هذا العصر نمط حياة وافد جديد. نمط حياة يقدس الفرد وذاتيته ومصلحته ورغباته وإشباعاته، ويقطع الصلة الخيّرة بين الناس، فلا قيمة ولا مصلحة تتقدم على مصلحة الذات. يتنكر الفرد لأمه وأبيه، بل الوالد والوالدة لأولادهم وبناتهم، وفي مجمعات كبار السن واللقطاء في تلك المجتمعات شاهد حي على ما نقول. وتسوق لنا هذه المجتمعات المتحللة من كل الروابط الإنسانية الحية تحت عناوين التقدم والتحرر والحداثة والتطور.
في يوم العيد يوم الجائزة لنغذّ السير إلى إعادة بناء المجتمع المسلم، على الأسس القرآنية الراشدة، على أسس من دعوة الخير والبر والرشد.
وأول قواعد الاجتماع الإسلامي (صلة الرحم) بمفهومها الأوسع والأشمل التي تستغرق الأسرة الأصغر والعشيرة الأقرب وتتسع لتشمل دوائر من الوجود الاجتماعي صاعدة نازلة. في ظلال العيد لتكن لنا عودة إلى مجلس الأسرة، وديوانها، ولقاءاتها، وكلمة كبيرها، وأسس تعاونها وتكافلها وتناصرها... كل هذا ينبغي إحياؤه لإعادة بناء مجتمعنا، البناء الذي أمر به الإسلام وحض عليه. (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)
ومن قواعد بناء المجتمع المسلم الصلة الحية على أساس المصاقبة المكانية (الجوار) (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القرى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل...) و(مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
علاقة الجوار المستندة إلى التواصل المكاني تمتد لتشمل أهل الحي والمحلة والقرية والبلدة. حيث تترتب على هؤلاء بحكم تجاورهم أحكام شرعية لا بد لهم من التواصل لأدائها على الوجه الذي شرعت عليه.
ويتفرع عن هذه القاعدة قاعدة ثالثة هي الوحدة الممثلة لشركاء المهنة أو الواجب التي تسمى في هذا العصر النقابات والتي يكون لها دورها في بناء مجتمع حي تترابط أطرافه للسعي إلى البر والتعاون على التقوى.
ثم تتفرع بعد ذلك قواعد للقاء الاجتماعي فتكون لها أسسها الفكرية والعلمية والدعوية والتكافلية والاستثمارية والتي هي في مجموعها بنية للمجتمع الخيّر المعبر عن ذاته وفق قواعد الحياة الإسلامية العامة.
فلنجعل من يوم العيد يوم ميلاد للمجتمع المسلم المترابط المتمثل في شبكة من العلاقات الإيجابية الحية الصالحة للأخذ والعطاء وللإرسال والاستقبال. |