أهل الخير
بتصرف من شريط دمعة من هنا ودمعة من هناك لإبراهيم المرواني
عندما تُروى قصص السلف الصالح يرد بعض الناس بأن هؤلاء الصحابة والسلف راح زمانهم، ولم يبق مثلهم. لكن في الحقيقة أهل الخير موجودون في كل زمان ومكان.
فهذا زميل عزيز طلب مني ونحن في ينبع أن أذهب معه إلى مكة فهو ينوي عمل عمرة عن والده الله يرحمه. وفي طريق عودتنا إذا به يدخل رابغ ثم ينزل من السيارة ويقول لي إذا كنت تريد الأجر فانزل واحمل معي هذه الأغراض التي في السيارة. قلت: لمن؟ قال هنا أسرة لأرملة كان والدي يرحمه الله يتولاها دائما. وأحب ألا ينقطع الخير بوفاته، ولا أريد أن أقطع صدقاته بعد موته فأنا ومالي ملك أبي!
بعد أن أنزلنا الأغراض أعطاها مبلغاً من المال فجلست تدعو له ولأبيه بالرحمة.
ثم أكملنا رحلتنا وقبل مستورة (وهي قرية على الطريق) بحوالي عشرة كيلومترات وجدنا سيارة قديمة متوقفة وفيها نساء وأطفال، وصاحبها رجل شايب يقف بجانبها ويطلب من السيارات أن تقف له.
توقفنا عنده فإذا بإحدى عجلات سيارته مثقوبة. فظننا أنه لم يستطع فك العجلة لتركيب الاحتياطية، فإذا به يخبرنا بأن الاحتياطية أيضاً مثقوبة. أما الرافعة التي ترفع السيارة فعاطلة عن العمل.
فككنا العجلة ووضعناها في سيارة صاحبي لنصلحها في قرية مستورة، فأصر الرجل على أن يذهب ابنه معنا، فطلب الولد من أبيه أن يعطيه أجرة الإصلاح، فرد عليه: نسيت الفلوس، ما عندي فلوس. فرد صاحبي: اركب بسرعة وبعدها نتحاسب.
وفي الطريق أخذ صاحبي يسأل الولد فعرفنا أنه في السنة الاولى متوسط. فسأله عن عمل والده، فرد بأنه مريض ولا يعمل. ثم سأله: إن إطار العجلة قديم وقد لا يمكن إصلاحه فلماذا لا تغيروا الإطارات كلها؟ فرد عليه الولد بضحكه بريئة: هذا أحسن الإطارات!
بعد أن وصلنا مستورة طلب صاحبي من صاحب المحل أن يغير الإطار بواحد جديد، فصرخ الولد: سيضربني أبي. فطلب منه صاحبي أن يسكت ولا يتدخل. وريثما يغير العامل الإطار أخذنا صاحبي إلى محل آخر وطلب منا أن ننتظره في السيارة، فدخل المحل وخرج ومعه رافعة جديدة. ثم رجعنا إلى العجلاتي فطلب صاحبي ثلاثة إطارات أخرى، فصرخ الولد: يا ويلي من أبي!. ثم بدأ صاحبي يعد الفلوس التي معه والتفت إلي قائلاً: هل معك سلفة مائة ريال؟ قلت: سلفة ما في، ولكن مشاركة في الأجر! فقال: هذا المشوار كله أسأل الله ان يكتب أجره لأبي يرحمه الله فلا تستكثر علي أني أبره. ألا يكفي أنك ساعدتني؟ فوافقت على أن تكون سلفة.
وفي طريق العودة للشايب قال الولد: ترى والدي ما عنده قيمة الإطارات. فرد صاحبي: ولا يهمك! بعدما تتخرج من الجامعة وتتوظف وتأخذ أول راتب أعطني فلوسي، وإذا ما لقيتني فأعطها لأمك.
وعندما وصلنا للشايب ورأى الإطارات أخذ يصرخ في ولده: أنت مجنون! كيف ندفع قيمتها؟ فرد صاحبي: يا رجل كلنا تصير علينا ظروف في الطريق ولازم نساعد بعضنا. وإذا جئت بيتكم أريدك أن تذبح لي أكبر خروف عندكم. فرحب الرجل وأهّل وسهّل. فأعدنا العجلة إلى مكانها وحملنا له باقي الإطارات، فدعا لنا، ثم ودعناه وانصرفنا.
بعد أن تجاوزنا مستورة وجدنا سيارة تقف وصاحبها يبيع ماء وبسكويت وشاي وقهوة وتقف عنده الشاحنات. ووجدنا السائقين واقفين يؤدون صلاة العشاء، كل يضع سجادة يصلي عليها، وبعضهم يصلي على التراب، فصلينا معهم على سجادتين كانتا معنا، ولكنا وضعناهما عرضاً ليقف معنا آخرون. وبعد الصلاة سأل صاحبي البائع: هل عندك سجادة أو بساط للبيع؟ قال: لا! فتابعنا المسير. وإذا بصاحبي يصعد أول جسر ليعود إلى مستورة وهو يقرأ قول الله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد). قلت: ماذا هناك؟ قال: إن أعطيتني سلفة أخبرتك! قلت: أنا شريك رسمي وأحب أن أشارك في الأجر. قال: أنت مستكثر اني أعمل خيراً لأبي؟ فقلت: وأنت مستكثر أن أجعل لأبي نصيباً مع أبيك؟! لكن لم تخبرني ماذا تريد أن تشتري الآن! قال: نشتري سجادة كبيرة نضعها عند سيارة الشاي. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله بيتاً ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة). وبعد أن اشترينا ثلاث سجادات كبيرة رجعنا لسيارة الشاي وأعطيناهم السجاد ومبلغاً من المال ليفرشوا السجاد وقت الصلاة ويهتموا به وأشهدنا الله عليهم وكفى بالله شهيدا.
وسمعت صاحبي يقرأ آية ويكررها، فأصغيت فإذا هي: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب).
بعد أن ركبنا السيارة سمعته يقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا العرق نزل على وجهي لوجهك الكريم فحرم وجه أبي على النار.
قلت: ما شاء الله عليك! كل هذا في يوم واحد! أكيد أنك مرتاح لأنك أديت واجبك نحو أبيك! قال: لن أرتاح إلا لما أراه بعيني يدخل الجنة! ثم انتحب. |