دخلت على مريض في المستشفى، فلما أقبلت إليه فإذا رجل قد بلغ من العمر أربعين سنة، من أنضر الناس وجها، وأحسنهم قواما، لكن جسده كله مشلول لا يتحرك منه ذرة إلا رأسه وبعض رقبته! لو أخذت فأسا وقطّعت جسده من رجليه إلى صدره لما شعر بشيء.دخلت غرفته فإذا جرسالهاتف يرن. فصاح بي وقال: يا شيخ أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال. فرفعت سماعة الهاتف ثم قربتها إلى إذنهووضعت مخدة تمسكها وانتظرت قليلا حتى أنهى مكالمته. ثم قال يا شيخ أرجع السماعة مكانها، فأرجعتها مكانها ثم سألته: منذ متى وأنت على هذا الحال فقال منذ عشرين سنة وأنا مشلول على هذا السرير!
وحدثني أحد الفضلاءأنه مر بغرفة في المستشفى فإذا فيها مريض يصيح بأعلىصوته ويئن أنينا يقطع القلب. قال صاحبي: فدخلت عليه فإذا جسده مشلول كله وهو يحاول الالتفاف فلا يستطيع!فسألت الممرض عن سبب صياحه فقال: هذا مصاب بشلل تام وتلف في الأمعاء وبعد كل وجبة غداء أو عشاء يصيبه عسرهضم! فقلت له: لا تطعموه طعاما ثقيلا جنبوه أكل اللحم والرز. فقال الممرض: أتدري ماذا نطعمه؟ والله لا ندخل إلىبطنه إلا الحليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه! وكل هذهالآلام ليهضم هذا الحليب!
وحدثني آخرأنه مر بغرفة مريض مشلول أيضا لا يتحرك منه شيئا أبدا.قال: فإذا المريض يصيح بالمارين، فدخلت عليه، فرأيت أمامهلوح خشب عليه مصحف مفتوح، وهذا المريض منذ ساعات كلما انتهى من قراءة الصفحتين أعادهما فإذا فرغ منهما أعادهمالأنه لا يستطيع أن يتحرك ليقلب الصفحة ولم يجد أحدا يساعده. فلما وقفت أمامه قال لي: لو سمحت أقلب الصفحة. فقلبتها فتهلل وجهه ثم وجَّه نظره إلى المصحف وأخذ يقرأفانفجرت باكيا بين يديه متعجبا من حرصه وغفلتنا!
وحدثني ثالثأنه دخل على رجل مقعد مشلول تماما في أحدى المستشفياتلا يتحرك إلا رأسه. فلما رأى حاله رأف به وقال: ماذا تتمنى؟ ظن أن أمنيته الكبرى أن يشفى ويقوم ويقعد ويذهب ويجيء. فقال المريض أنا عمري قرابة الأربعين وعندي خمسة أولاد، وعلى هذا السرير منذ سبع سنين،والله لا أتمنى أن أمشي ولا أن أرى أولادي ولا أعيش مثلالناس! قال: عجبا إذن ماذا تتمنى؟ فقال: أتمنى أن أستطيع أن ألصق هذه الجبهة على الأرض وأسجد كما يسجد الناس!
وأخبرني أحد الأطباءأنه دخل غرفة الإنعاش على مريض فإذا شيخ كبير على سرير أبيض وجهه يتلألأ نورا. قال صاحبي: أخذت أقلب ملفه فإذا هو قد أجريت له عملية فيالقلب أصابه نزيف خلالها مما أدى إلى توقف الدم عن بعضمناطق الدماغ فأصيب بغيبوبة تامة،وإذا الأجهزة موصلة به وقد وُضع على فمه جهاز للتنفسالصناعي يدفع إلى رئتيه تسعة أنفاس في الدقيقة.وكان بجانبه أحد أولاده. سألته عنه، فأخبرني أن أباه مؤذن في أحد المساجد منذ سنين.أخذت أنظر إليه حركت يده حركت عينيه كلمته لا يدري عن شيء أبدا. كانت حالته خطيرة.اقترب ولده من أذنه وصار يكلمه وهو لا يعقل شيئافبدأ الولد يقول: يا أبي، أمي بخير وإخواني بخير، وخالي رجع من السفر واستمر الولد يتكلم، والأمر علىما هو عليه. الشيخ لا يتحرك والجهاز يدفع تسعة أنفاسفي الدقيقة! وفجأة قال الولد: والمسجد مشتاق إليك ولا أحد يؤذن فيهإلا فلان ويخطئ في الأذان ومكانك في المسجد فارغ، فلما ذكر المسجد والأذان اضطرب صدر الشيخ وبدأ يتنفسفنظرت الجهاز فإذا هو يشير إلى ثمانية عشر نفسا في الدقيقة والولد لا يدري. ثم قال الولد: وابن عمي تزوج وأخيتخرج، فهدأ الشيخ مرة أخرى وعادت الأنفاس تسعة يدفعهاالجهاز الآلي. فلما رأيت ذلك أقبلت إليه حتى وقفت عند رأسه. حركت يده، عينيه، هززته، لاشيء. كل شيء ساكن لا يتجاوب معي أبدا، تعجبت! قربت فمي من أذنه ثم قلت: الله أكبر. حي على الصلاة. حي على الفلاح.وأنا أسترق النظر إلى جهاز التنفس فإذا به يشير إلىثمان عشرة نفس في الدقيقة! لله دَرُّهم من مرضى! بل والله نحن المرضى! رجال قلبهم معلقبالمساجد. نعم (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (*) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فأنت يا سليما من المرض والأسقام، ويا معافى من الأدواء والأورام، يا من تتقلب في النعم ولا تخشى النقم! ماذا فعل الله بك فقابلته بالعصيان؟! بأي شيء آذاك؟! أليست نعمه عليك تترى؟ وأفضاله عليك لا تحصى؟أما تخاف أن توقف بين يدي الله غدافيقول لك: عبدي ألم أصح لك بدنك وأوسع عليك في رزقك وأسلم لك سمعك وبصرك؟فتقول بلى. فيسألك الجبار: فلم عصيتني بنعمي وتعرضت لغضبي ونقمي؟!
فعندها تُنشر في الملأ عيوبك، وتعرض عليك ذنوبك،فتباًّ للذنوب ما أشد شؤمها وأعظم خطرها؟ وهل أخرج أبانا من الجنة إلا ذنب من الذنوب؟ وهل أغرق قوم نوح إلا الذنوب؟ وهل أهلك عادا وثمود إلا الذنوب؟ وهل قلب على لوط ديارهم وعجل لقوم شعيب عذابهموأمطر على أبرهة حجارة من سجيل وأنزل بفرعون العذابالوبيل إلا المعاصي والذنوب؟!