الزواج مؤسسة عظيمة ولبنة أولى أساسية في بناء المجتمع الذي يعول عليه النهوض بالأمة والارتقاء بالمجتمع الإنساني ككل إلى مراقي الفلاح. لذلك كان لابد من حسن الاختيار للزوج والزوجة لتنجح هذه المؤسسة وتمارس دورها في بناء المجتمع الإنساني وإمداده بالأفراد الناجحين والأبناء الذين يحملون الخلق العظيم والدين السليم والجسد القويم والمستقبل الناجح والنفس التواقة السوية الخالية من العقد والأمراض. وهذا لا يتأتى إلا من خلال أسرٍ متماسكة من أزواجٍ متحابين متآلفين منسجمين. وما أجمل هذه الآية الكريمة: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون). هذا الانسجام والتناغم له مقدماته من التعارف المشروع، ألا وهي فترة الخطبة التي يجب أن تكون فترة تعرف دقيق وفقا لشرع الله عز وجل، دون خلوةٍ شيطانية. وهذا البحث مبني على مئات من حالات الزواج الفاشل المنتهي بأبغض الحلال، والذي تبين أن من أسبابه الأساسية عدم التعرف الكافي لأحد الطرفين على الآخر. السلَّم والخطبة:كلما صعدنا درجة في المعرفة بانت الصورة بشكل أكبر وبانت العلاقات الأخرى مع الطرف الآخر، كمن يصعد في السلم إلى الأعلى ليرى بصورة أفضل. إلى أن نصل إلى نظرة الطائر أي تعارف أكبر وخطبة أكثر نجاحاً. القلم:ماذا ترى من شخص يحمل بيده قلماً؟ خطؤنا أن نرى القلم فقط دون أن نرى حامله والمحيط. خطؤنا أن نرى عيون المخطوبة دون أن نراها كاملة. كشف أبعاد ثلاثة:عند الإنسان (خاطب ومخطوبة) ثلاث مناطق: 1) منطقة مستورة لا تظهر في اللقاء الأول لأنها مستورة أمام الناس. إنها لا تُرى إلا بالقرب الشديد. 2) منطقة تظهر بالقرب في اللقاء الأول. 3) منطقة تظهر أولاً ومن النظرة الأولى. وبالتالي: لا يجوز الحكم من أول لقاء.
كيف نتخذ قرار الزواج؟ نظريات الاختيار:الرجل يختار المرأة حسب عدة نظريات:
نظرية التكامل:قد يختارها على أساس إكمال ما ينقصه، مثلاً البخيل يبحث عن صفة الكرم ليكمل ما عنده. نظرية التشابه:قد يختارها مثله بالأخلاق أو العلم. نظرية التحليل النفسي: قد يختارها بحيث أنها تشبه والدته بالشكل أو بصفة ما. نظرية القرب المكاني: سواء أكان في السكن أو العمل. نظرية الجاذبية الجسمية: حيث في أكثر من 80% من الزيجات يختارها لإعجابه بشكلها أو إعجابها هي بشكله. وقد يكون الاختيار على أكثر من نظرية.
هل الجمال مهم؟ قضية الجمال عند الرجل والمرأة:
تقدم لخطبتها لكنها رفضته فاستغرب والدها من رفضها ولم يعرف السبب على الرغم من أن الشاب الخاطب من عائلة معروفة، ولديه مركز اجتماعي مرموق ويتمتع برخاء مالي ولا ينقصه شيء، بل شكله متناسق ووجهه جميل وكلامه لطيف، ومع ذلك رفضته البنت! فتحاور والدها معها فلم يصل إلى شيء، بل ظل يسمع منها: أنا لا أريد الزواج من هذا الشاب! فطلب الوالد أحد المختصين ليتحاور مع ابنته ويعرف سبب الرفض الجوهري، وعندما استفسر المختص عن سبب رفضها، علم أنها رفضته لسبب واحد وهو أنه شاب رقيق في كلامه وتصرفاته، ثم قالت: (وشعرت بأنه أنا، وليس رجلاً!). فمقياس الجمال عند الرجل يختلف عنه عند المرأة، فالرجل يهتم بشكل المرأة وجاذبيتها، ويسحره جمال وجهها ورقة صوتها وكمال أنوثتها، أما المرأة فالجمال عندها في الرجل أن تشاهده رجلاً، تستطيع أن تعتمد عليه وتشعر عند الاقتران به أنه أهل لحمايتها، وتلمس الأمن عنده، فهذا هو الجمال في عين المرأة، فجمال الشكل ووفرة المال مهم عندها، ولكن الأولوية لأمر آخر تحتاجه ليسد نقصها، وتستمر الحياة بتكاملهما. ولهذا نلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام، عندما خاطب الرجل قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها، وحسبها ودينها...)، ولكنه عندما خاطب المرأة قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه...) فالدين والخلق هو الجمال في عين المرأة! وهذه مسألة جوهرية بين الرجل والمرأة. فالجمال أنواع... جمال الشكل وجمال الحديث وجمال الهدوء. الجمال أمر نسبي: وهناك مسألة أخرى في الجمال، وهي أن الجمال أمر نسبي يختلف من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن زمن لآخر، فقد تكون الفتاة السمراء جميلة في مجتمع، بينما مقياس الجمال في مجتمع آخر أن تكون المرأة بيضاء، وعلى كل حال فالقضية ذوقية، وكما قيل (لولا اختلاف الأذواق لكسدت السلع). وأحب أن أؤكد أن الجمال أمر أساسي في الكون كله فان الله جميل يحب الجمال، وحب الله للجمال في كل شيء في الشكل والمحتوى وهذا ما نتمناه في علاقاتنا الزوجية، بأن يكون الحوار بين الزوجين جميلاً، والسلوكيات جميلة وتربية الأبناء جميلة وحياتهم أيضا جميلة.
أسئلة الخطوبة العشرة للتعارف: كيف نخرج ما في صندوق الخاطب؟
نقترح على كل خطيبين أن يجيبا على هذه الأسئلة في لقاء التعارف بينهما وقد جربت هذه الأسئلة وكانت لها نتائج إيجابية وناجحة في الزواج. 1) ما هو طموحك المستقبلي وما هدفك في الحياة؟ لكل إنسان أمنية في حياته يسعى لتحقيقها سواءً في المجال الاجتماعي أو الديني أو الأسري أو العلمي وغيره، ومن المهم أن تكون الرؤية المستقبلية للطرفين واضحة ليقل الخلاف في المستقبل. والصواب أن يستفيد الإنسان من ماضيه ويعمل لواقعه ويخطط لمستقبله. 2) ما هو تصورك لمفهوم الزواج؟ هل: إنجاب أم رحلات ونزهات أم ماذا؟ تقول إحدى المتزوجات: فوجئت عندما عرفت أن مفهوم الزواج عند زوجي هو مجرد تحقيق رغباته الجنسية فقط! وأما أنا فلا احترام لي ولا تقدير وكل المسئوليات ملقاة علي. ويقول زوج: فوجئت عندما علمت أن مفهوم الزواج عند زوجتي هو الإنجاب! وأنا معها في مشاكل دائمة حيث إلي الآن لم يرزقنا الله الولد. 3) ما هي الصفات التي تحب أن تراها في شريك حياتك؟ جميل أن يتحدث الإنسان عن مشاعره وما يحب وما يكره. وأجمل من ذلك كله أن يكون هذا الحوار قبل الزواج، حتى يستطيع كل طرف أن يحكم على الطرف الآخر إن كان يناسبه من عدمه. 4) هل ترى من الضروري إنجاب الطفل في أول سنة من الزواج؟ وهذا السؤال مهم، وعلى الزوجين أن يتفقا فيما بينهما على هذا الموضوع كيلا يكون سبباً من أسباب المشاكل الزوجية في المستقبل. لاسيما أن أهل الزوجين قد يتدخلا في هذا الموضوع. 5) هل تعاني من أي مشاكل صحية؟ أو عيوب خلقية؟ إن إخفاء المرض على الطرف الآخر هو من الغش في العقد فلا بد أن يكون ذلك واضحاً بين الطرفين سواء أكان عاهة مستديمة أو برص في أماكن خفية أو مرض السكر أو غيرها من الأمراض أو العيوب التي يعاني منها المقبل على الزواج. 6) هل أنت اجتماعي؟ ومن هم أصدقاوك؟ إن العلاقات الاجتماعية هي أبرز ما يميز الإنسان، ومهم أن يكون الإنسان اجتماعي الطبع يألف ويؤلف، يحِب ويحَب. ومهم معرفة أصدقائه وقوة علاقته بهم، وهل هو من النوع الاجتماعي أو الانطوائي. 7) كيف هي علاقتك بوالديك؟ وإخوانك، أخواتك، أرحامك؟ وهذا أمر في غاية الأهمية لأن الزواج في الحقيقة عقد بين عائلتين، لأن الزوجين لن يعيشا منفردين منقطعين عن العالم، وإنما سيعيشان مع أسرتيهما، وعندما تكون العلاقة بالوالدين حسنة يبارك الله في هذا الزواج. 8) بماذا تقضي وقت فراغك؟ وما هي هواياتك؟ وما مدى التزامك الديني؟ الالتزام الديني يظهر بالتقوى. ومعرفة ما يحب الإنسان عمله في وقت فراغه دليل على شخصيته ومعيار لطموحه وأهدافه في الحياة ونظرته لمستقبله وشخصيته. 9) هل لك نشاط خيري أو تطوعي؟ فعندما تكون علاقة الشخص بربه قوية يكون مأمون الجانب. ويفضل لهما أن يقتطعا جزءاً من وقتيهما للعمل الخيري التطوعي من خلال تقديم عمل إنمائي أو مساعدة أو حضور مجالس الخير والاستفادة منها فهذا النشاط يجدد الحياة الزوجية ويقوي العلاقة بينهما لأنهما يسعيان في هذه الدنيا من أجل هدف واحد وهو مرضاة الرب. 10) ما رأيك لو تدخلت والدتي أو والدتك في حياتنا الشخصية؟ هذا السؤال ينبغي أن يطرحه المقبل على الخطوبة ليتعرف كل واحد منهما على الآخر في هذا الجانب، ومدى حساسيته عنده، فيتفقا على طريقه حل الخلاف لو حصل تدخل من الوالد أو الوالدة أو حتى الجدة في علاقتهما الخاصة.
بعض القضايا الخاصة
ما رأيك بالزواج من أجنبية؟ وقصة أخرى يرويها أحد الآباء عندما رأى ابنته تدخل عشيقها إلى المنزل، فوقف والدها أمامها، فقالت له: إني استأذنت أمي (ووالدتها أجنبية) فسمحت لي بذلك، لأنها عندما كانت بعمري فعلت الشيء نفسه. أنا لست ضد (الزواج من أجنبية) على إطلاقه، ولا يحق لي أن أحرّمه على الرغم من السلبيات الكثيرة التي رأيتها ومازلت أراها، لأن الشرع أجاز أن يتزوج المسلم من كتابية. لكن لهذا إيجابيات وسلبيات يجب أن تكون محسوبة من البداية، ويكون الزواج ناجحاً فيما لو اتفق الزوجان من البداية على مسيرتهما في الحياة. ماذا تكتب على هدية مخطوبتك؟ قال لي: لقد تعبت من البحث عن زوجة لي تتطابق مع صفاتي وميولي. قلت: إنك تبحث عن مستحيل. قال: ولِمَ؟! أليست السعادة الزوجية تكمن في تطابق الزوجين في الصفات والأخلاق، والثقافة والبيئة؟! قلت: أكرر لك ما قلت.. إنك تبحث عن مستحيل! قال: لماذا؟ قلت: لأن الله تعالى وضع سنناً في الكون، ومن هذه السنن التعدد والاختلاف في المخلوقات، وخص نفسه جل وعلا بالوحدانية. تأمل البشر وألوانهم وأجناسهم وطباعهم ولغاتهم وحتى نبرة صوتهم، لا تكاد تجد اثنين متطابقين، فكيف تبحث عن زوجة تتطابق في صفاتها معك؟! قال: إذن ماذا أفعل؟ قلت: ابحث عن زوجة تناسبك. والاختلاف بين الزوجين له منافع كثيرة، منها: أن يتعلم كل واحد من الآخر ويستفيد منه، ويستفيد الأبناء من هذا الاختلاف فينشأوا متوازنين. والله تعالى أعطانا نعمة «التكيف» ونعمة «التفاهم» ونعمة «الحوار»، لكي نتعايش مع من نختلف معهم ونستفيد من هذا الاختلاف في تحسين علاقاتنا، وهذه هي ميزة التربية الإسلامية والمنهج القرآني، فالإسلام احترم الجميع وتعامل معهم، وهذا هو الفكر الإسلامي الذي جاء لنطبقه على المجتمع، وعلى الحياة الزوجية. وإن اختلف الزوجان في أمر فمرده إلى الله ورسوله. قال: إن ما تذكره يختلف عما في أذهان الشباب والفتيات. قلت: وهذا ما لاحظته فعلاً، فكل خاطب ومخطوبة في أيامهما الأولى يعتقدان أن كل واحد منهما هدية من الله للآخر، فإذا ما استمرت الحياة الزوجية بدأت تظهر الخلافات والاختلافات، ولو كانا يعلمان بهذه السنة الكونية لقَلَّت الخلافات الزوجية وتلاشت الاختلافات العائلية. قال: (إن الاختلاف والتعددية سنة كونية وفهمها يذهب الخلافات الزوجية) سأكتب هذه العبارة على أول هدية أقدمها لخطيبتي. فابتسمت لحديثه ثم قلت له: دعني أقل لك طرفة نختم بها حوارنا. (قال الزوج لزوجته في أول يوم من حياتهما الزوجية: ما رأيك أن ينزع كل واحد منا ثوبه ويلبسه الآخر، فاستغربت الزوجة من قوله، فابتسم وقال بلطف: أردت أن أعلمك درساً أن لكل واحد منا مهامه ووظائفه في الأسرة، ولو حاولنا تبادل الوظائف كما نتبادل اللباس لفسدت الأسرة). وفي الختام لابد من التأكيد على الدور الأساسي لهذه المؤسسة العظيمة، مؤسسة الزواج. ولابد من التأكيد على أهمية هذه الفترة التمهيدية لبدء مرحلة جديدة من الحياة ألا وهي فترة الخطبة. كل ذلك لبناء أسرة متماسكة متحابة في الله تقدم للإنسانية نماذج مشرقة من الأبناء تعلي راية الحق عالياً.