مقال منشور في جريدة الشرق القطرية الخميس 16 أكتوبر 2008، ص 18
في عالمنا اليوم مع زحمة الأعباء والطرقات وأصوات السيارات والموبايلات وحفارات الطرقات وآليات البناء وجنون الكومبيوترات والفضائيات وباقي الإلكترونيات ورنين التليفونات وصراخ الأطفال والجدال مع الأزواج وزملاء العمل، والصخب من كل مكان، يحتاج الإنسان أكثر من أي وقت مضى للترويح عن النفس ولتوازن الجسم والعقل والروح الذي لا يحصل إلا بتوازن الواجبات الذي علمه سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما (وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم): إن لجسدك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لربك عليك حقا.
والتوازن في الحياة ضروري للحصول على إنسان منتج ومتوازن بعيد عن الكسل والتطرف والإجهاد. والترفيه جزء أساسي من هذا التوازن فالترفيه – إن كان ضمن الضوابط الكمية والنوعية – يكون ليس مباحا فقط بل محمودا ومستحبا بل قد يصبح واجبا في بعض الحالات. والترفيه الصحي الصحيح يريح العقل ويعطي للجسم حيوية ويجدد النشاط ويُذْهب الإجهاد الناتج عن ضغوط العمل والعائلة والدراسة بل والسواقة في الطرقات المزدحمة.
الترفيه أنواع وأنماط عديدة لا حصر لها منها ما يفيد ومنها ما يضر ومنها مالا ينفع ولا يضر، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: احرص على ما ينفعك، فعلينا أن نختار ترفيها نافعا من حيث طبيعته ولكن - كما في الطعام والشراب أو حتى العبادة - هناك حدود وضوابط كمية حتى للترفيه النافع فما ألهى عن واجب أو حق آخر فقد تجاوز حده. وقد يشعر الإنسان بالارتياح وذهاب الإجهاد بعد القيام بجهد عضلي أو قراءة كتاب أو استرخاء أو سماع موسيقى هادئة أو استحمام أو تجول في الإنترنت أو غيرها وقد يشعر بنشوة بعد ممارسة عمل غير صحي أو غير أخلاقي كتناول الخمور أو المسكرات أو المخدرات أو التدخين، ويبرر البعض ذلك بأنه 'فشّة غل' وهو تعبير طبيعي عن الحاجة إلى إراحة النفس وإزالة أو تخفيف الإجهاد ولكن الخيارات كثيرة وعلينا أن ننتقي النافع منها، ولكي نعرف مدى فائدتها أو ضررها لنقوّم تأثيرها على الجسم والعقل والروح: بعد ذلك الترويح ماذا كسب جسدي وماذا كسب عقلي وماذا كسبت روحي؟ ولنكن صادقين مع أنفسنا.
خلال إقامتي البسيطة في هذا البلد الطيب لاحظت أن كثيرا من الناس يذهب إلى مراكز التسوق أو المطاعم لا لحاجة بالضرورة بل لقتل الوقت والترفيه عن النفس، ونحن – دون شك – نحتاج إلى التسوق من آن لآخر وقد أجتمع بصديق على فنجان قهوة في مقهى ولا ضير في ذلك ولكن المشكلة أن يتكرر هذا ويصبح ديدنا وجزءا كبيرا من برنامجي الأسبوعي بل وبديلا عن وسائل الترفيه النافعة الأخرى. وفي هذا السلوك مضار كثيرة فأولها قتل الوقت دون فائدة وهذه من الأمور التي سنسأل عنها يوم القيامة. وثانيا يضطر الإنسان – بحكم جلوسه في مطعم أو مقهى – أن يأكل ويشرب ما لم يكن أصلا يحتاج لأكله أو شربه حتى صارت منطقة الخليج العربي تنافس أميركا في السمنة وزيادة الوزن غير الطبيعية (يعني على الأقل صرنا ننافس الأمريكان في شيء!) وزيادة الوزن سبب في كثير من الأمراض والعلل، وثالثا فإن الذهاب إلى مراكز التسوق وقضاء الوقت فيه من غير حاجة مفسدة اجتماعية.
ما هو البديل إذاً، وأين هو؟ صحيح أن على الحكومة مسؤولية في تأمين بعض المرافق كالحدائق العامة ولكن التبعة الكبرى تلقى على عاتق الأفراد والمؤسسات فالتوعية واجب الأبوين والأساتذة والمربين وأرباب العمل ومديري المؤسسات، ولكن لنتذكر أن فاقد الشيء لا يعطيه فلنبدأ بأنفسنا ونطبق التوازن المطلوب ثم نوفر أنماط الترفيه الصحي لأبنائنا وعلينا أن ندرك أن الأذواق تختلف باختلاف الأشخاص والأعمار فلا نرغم أحدا على ترفيه لا يرغبه وإلا فلن يكون ترفيها. في البيت يمكن أن يقتني الإنسان كتبا مسلية وألعابا فيها متعة وتنمية معلومات أو مهارات (لا تكون كلها إلكترونية) وطاولة بينغ بونغ أو بلياردو وأفلام هادفة خالية من عناصر الإفساد. ويمكن للحي أن يوفر مسبحا وصالة ألعاب ويستحسن للأولاد من الجنسين أن يمارسوا نوعين على الأقل من الرياضات يكون واحد منها رياضة فرق (كرة قدم – كرة سلة – كرة طائرة) فالرياضة مفيدة بشكل عام ورياضة الفرق تعلم العمل الجماعي. وكثير من الشركات تساهم في دفع رسوم ناد رياضي أو صحي للموظفين وهي سياسة طيبة ولكن يستحسن أن توفر أيضا إمكانية الاستحمام لمن أراد أن يستغل فترة استراحة الغداء بالمشي السريع أو رياضة أخرى فقد ثبت علميا أن من يمارس مجهودا رياضيا أثناء العمل يعود إلى عمله بفاعلية أكبر خاصة إذا قارناه بمن ملأ معدته في نفس الفترة فإن النعاس والكسل يغلبانه.
الدول الغربية خصصت للرياضة برامج وميزانيات – ولا أتحدث هنا عن فرق المحترفين بل عن المواطنين العاديين بل إنك لا تكاد تجد حديقة عامة أو تجمعا سكنيا في أميركا بدون ملاعب تنس وكرة سلة وبيسبول، وهي فكرة ممتازة ولكن علينا أن نعدل الفكرة لتناسب ديننا وتقاليدنا فلا نظلم إناثنا بتخصيص الملاعب للذكور فقط بل نوفرها للجنسين. كما علينا أن نغير النظرة الاجتماعية أن الرياضة حكر على الفرق المحترفة وأنها مهنة بل هي هواية لكل الناس والفوز بالمباراة ليس هدفا إنما الغاية هي تنشيط الجسم وإراحة العقل وتخفيف الإجهاد.
التلفزيون والڤيديو (أو الدي ڤي دي) وألعاب النينتيندو وأمثالها لا بأس بها ضمن الضوابط النوعية والكمية أيضا لكن علينا أن نحذر من كثرتها التي تولد تبلد الذهن والجسم وغالبا فإن المتفرج على التلفزيون والڤيديو ما يسلي نفسه بالأكل والشرب ويفقد تدريجيا المهارات الاجتماعية فيتحول الأمر من مشكلة واحدة إلى عدة مشاكل.
المهم في الأمر أن ننظم جدولنا اليومي والأسبوعي وأن نملأه بشكل متوازن وأن نحرص على الفائدة والمتعة معا. من أجمل النصائح التي قرأتها قول الإمام الشافعي رحمه الله: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.