(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)
(أَمْ تَحْسَبُ أن أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ أن هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)
إذ كيف يصف القرآنُ الكريمُ عالمَ الفضاء والفيزياء والهندسة والكيمياء والطبيب والفيلسوف والعبقري بأنهم كالأنعام؟ بل هم أضل؟.
وأين قيمة علمهم؟ وأين مكانة ابتكاراتهم؟وأين قيمة العقل التي يتحدث عنها القرآن ثم يهدرها إلى جهنم. كيف يصفهم بقلوب لا تفقه وهم اكتشفوا المادة وصعدوا إلى القمر؟!كيف يصفهم بأن لهم أعين لا يبصرون بها، وهم الذين اكتشفوا الليزر وهم الذين يجرون العمليات الجراحية لأعصاب العين؟!. كيف يقول القرآن عنهم لهم آذان لا يسمعون بها، وهم الذين اخترعوا سماعات الأذن لمن لا يسمع؟ وهم الذين يجرون العمليات الجراحية للأذن؟!.
هكذا بهذه البساطة يصفهم كالأنعام بل أضل من الأنعام؟ أي الأنعام أفضل منهم!.
أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ! وعن أي شيء غفلوا؟ لقد قدموا للإنسانية كل خير وكل علم وكل تواضع ولم يأخذوا حظهم من اللهو واللعب لأن حياتهم كلها قراءة وتعلم وعلم وأبحاث! ثم هم غافلون؟!.
فعلاً أن هذا لأمر عجاب!. وأين تمجيد القرآن للعلم وللعقل وللمعرفة؟! ثم يهدرها بآية أو آيتين.
وقفت متعجباً من ذلك!. ثم جاءني إلى خاطري الجواب:
كيف يستنبط أولئك الجهابذة تلك العلوم ولا يستدلون على خالقها وبارئها؟!
كيف أشغلوا أنفسهم بالمعرفة والعلم ولم يبحثوا عن مكونها ومنظمها؟.
كيف اتبعوا سلوك الشيطان فنظروا للمخلوق ولم ينظروا للخالق؟.
أليس قد أخبرنا القرآن عن تفكير صاحبهم العاقل: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) ثم كان أسلوب تفكيره (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) ثم عاود النظر والتأمل فكانت (ثُمَّ نَظَرَ) ثم صوَّر وجهه (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) ثم ظهر تفكيره: (فَقَالَ أن هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ).
أي تفكير وأي تأمل وأي نظر هذا الذي فعله؟ لقد وجَّه عقله نحو الشر ونحو الظلام.
إنه الكفر! جنون العقل!
كيف بملايين الأدلة حول الإنسان العادي البسيط - فضلا عن العالم والباحث والقارئ - يراها صباح مساء، وفي كل لحظة، في نفسه وحوله، ثم لا يؤمن بالله الخالق الواحد الأحد؟ كيف حصل هذا؟ بالفعل أولئك كالأنعام بل هم أضل.
ولكن ما هي أسباب الكفر؟ إنه اتباع الهوى(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).
لقد تعوذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من علم لا ينفع! والعلم النافع قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ...). إنه التوحيد! معرفة الله، وخشيته، وسبيل الوصول إلى رضاه.
فإذا حصل من بعض الناس إعراض:(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إن اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
وهنا زال العجب والاستغراب مني وأيقنت أن القرآن فعلا يقدر العقل الإيجابي، والتفكير الإيجابي، والتدبر الإيجابي، الذي ينتهي إلى الله ويبدأ من الله: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.