سؤال بسيط جدا. وساذج جداَ، يمكن أن يجيب عليه أي عصفور تسأله: لماذا تركت الشجرة التي ولدت.. ولعبت.. وغنيت على أغصانها... فيجيبك والدمع يملأ عينيه: تركتها بحثا عن الشمس، والرزق، والحرية.
وأتصور أن مطلب العصفور، ومطلب الإنسان واحد. فكلاهما يبحث عن الشمس حتى يكتشف طريقه، ويبحث عن الرزق حتى يبقى واقفا على قدميه، ويبحث عن الحرية حتى لا يتحول إلى صرصار في صندوق مقفل...
وحين تغيب الشمس عن وطن ما.. ويقل الرزق فيه... وتصبح الحرية سلعة لا تباع إلا في الصيدليات، أو السوق السوداء... يصبح الرحيل هاجسا لا يمكن مقاومته.
فالوطن ليس مصطلحا مجردا وغيبيا... كما أنه ليس خارطة معلقة على حائط... أو نشيدا مدرسيا يغنيه تلاميذ المدارس كل صباح.. أو استعراضا عسكريا في عيد قومي.. ولكنه علاقة أبوية، وإنسانية، وأخلاقية، وحضارية، تقوم بين رب البيت وأولاده...
وحين تتحول هذه العلاقة إلى سلسلة يومية من القمع، والضرب، والتخويف، والتجويع. فلا بد أن (يطفش) الأولاد إلى بلاد الله الواسعة، هربا من (السلطة) وعصا المعلم الغليظة.
****
المكان وحده – على رومانسيته – ليس شرطا حاسما في العمل الإبداعي. والجغرافيا، هي الأخرى ليست عاملا أساسيا في تشكيل ملاحمنا النفسية والفكرية.
إننا نرتبط بالمكان الذي يقدم لنا حداً أدنى من طمأنينة الروح وطمأنينة الجسد. وهذا مبدأ معمول به في عالم الأسماك، والحمائم، والسنونو، واللقالق، التي تحمل أوطانها في ذاكرتها وتطير.
ونحن الشعراء والكتَّاب (نقترف) الهجرة، لا لأنها هوايتنا، وطبقنا المفضل، ولكن لأنها الحل النفسي الوحيد الذي يجنبنا الذهاب إلى مستشفى الأمراض العقلية.
***
إنني لا أتصور أن (المنفى) هو حالة مضادة للإبداع، فالشعر العربي عبر تاريخه الطويل كان (شعر منفى). كما أن الإبداع الحقيقي لم يحدث في (رحم الوطن)، وإنما حدث خارج هذا الرحم...
إن الولادات الطبيعية التي تتم في المستشفيات الوطنية، وفي غرف الدرجة الأولى، لا تعطي أطفالا باهرين ومتفردين...
أما الولادات التي تحدث في مراكب الشحن.. وقطارات الدرجة الثالثة، وفوق أرصفة المقاهي... فهي الولادات التي أنجبت أهم شعراء العالم...
****
إن الحكمة القديمة التي تقول (لا مكان لنبي في وطنه) تثبت أن علاقة الأوطان بشعرائها، كانت دائما علاقات قلقة.. ومتوترة... وغير طيبة...
إن الشاعر مرتبط بسلطة الشعر فقط. عندما يجد الشاعر أن سلطته تتناقض مع السلطات الأخرى... لا يبقى أمامه سوى الرحيل.
فكأنما الوطن لا يريد أولاده، وأشجاره، وعصافيره، لذلك صارت مقاهي العالم العنوان الرسمي لجميع المقهورين، والمستلبين، والمعذبين في الأرض.
***
إن (الدياسبورا العربية) أصبحت في هذا الزمن الانتحاري قدرنا المكتوب، حتى أن وجوهنا أخذت شكل حقيبة السفر...
ومع هذا فنحن في (الدياسبورا) نكتب بشكل أفضل، ونبدع بشكل أفضل... ونفكر بشكل أفضل...
وربما كانت المسافة التي تفصلنا عن الوطن، ضرورية لتجعله أكثر شاعرية وجمالا...