من كتاب “مواعظ الإمام سفيان الثوري” للشيخ صالح الشامي
أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما بينك وبين الله يصلحِ الله فيما بينك وبين الناس، واعمل لآخرتك يكفِك الله أمر دنياك، وبع دنياك بآخرتك تربَحْهما جَميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.
اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها.
يأتي على الناس زمان تموت القلوب، وتحيى الأبدان.
ما أحسن تذلل الأغنياء عند الفقراء، وما أقبح تذلل الفقراء عند الأغنياء.
ما عالجت شيئاً أشد علي من نفسي؛ مرة عليَّ، ومرة لي.
قال بشر بن الحارث: “قيل لسفيان: أيكون الرجل زاهداً، ويكون له مال؟، قال: نعم؛ إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر”.
احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، احذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك.
لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً، وحزناً، وشوقاً إلى الجنة، أو خوفاً من النار.
ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك، ولا بوجعك، ولا تزك نفسك.
إذا زارك أخوك فلا تقل له: “أتأكل؟، أو أقدم إليك؟”، ولكن قدِّم، فإن أكل وإلا فارفع.
إذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك.
لا تتكلم بلسانك ما تكسر به أسنانك.
إني لأريد شرب الماء، فيسبقني الرجل إلى الشربة، فيسقينها، فكأنما دق ضلعاً من أضلاعي، لا أقدر على مكافئته.
عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة.
إلهي؛ البهائم يزجرها الراعي فتنزجر عن هواها، وأراني لا يزجرني كتابك عما أهواه؛ فيا سوأتاه.
ما أعطي رجل من الدنيا شيئاً إلا قيل له: خذه، ومثله حزناً.
لو أن البهائم تعقل ما تعقلون من الموت - ما أكلتم منها سميناً.
إنما مثلُ الدنيا مثلُ رغيفٍ عليه عسلٌ مرَّ به ذبابٌ، فقطع جناحيه، وإذا مر برغيف يابس مرَّ به سليماً.
لم أنهكم عن الأكل، ولكن انظر من أين تأكل؛ كيف أنهاكم عن الأكل، والله - تعالى - يقول: ((خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا)).
لأن تلقى الله بسبعين ذنباً فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد.
إذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان.
لا تبغض أحداً ممن يطيع الله، وكن رحيماً للعامة والخاصة، ولا تقطع رحمك وإن قطعك، وتجاوز عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء.
عليك بقلة الأكل تملك سهر الليل، وعليك بالصوم فإنه يسد عليك باب الفجور، ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلين قلبك، وعليك بالصمت تملك الورع.
لا تكن طعاناً تنجُ من ألسنة الناس، وكن رحيماً محبباً إلى الناس.
عليك بالسخاء تسترِ العورات، ويخففِ الله عليك الحساب والأهوال.
عليك بكثرة المعروف يؤنسك الله بقبرك، واجتنب المحارم تجدْ حلاوة الإيمان.
ارضَ بما قسم الله تكن غنياً، وتوكل على الله تكن قوياً.
كان هناك ولد صغير يزور بيت وجدته في المزرعة. أعطي بندقية ليلعب بها في الغابة ويتدرب على التصويب. ومرة كان يلعب ويتدرب على الأشجار، ولكن لم يصب أي هدف! فتعب وتوجه إلى البيت. وفي طريقه للمنزل وجد بطة جدته المدللة، ومن باب الفضول صوَّب بندقيته عليها، وأطلق النار فأصابها برأسها فقتلها. فصدم وحزن. ثم إنه أخفى البطة بين الأحراش ولم يخبر جدته. لكن أخته سارة شهدت كل شيء ولم تتكلم بكلمة واحدة ولم تخبر جدتها أيضاً، إنما كانت تضمر أمراً! في اليوم التالي وبعد الغداء، قالت الجدة: هيا يا سارة لنغسل الصحون.
فردت سارة: لكن أخي قال إنه يريد أن يساعدك. ثم همست في إذنه: تذكر البطة!. ثم إن الجد سأل: مَن مِن الأولاد يحب أن يذهب معي إلى الصيد؟ فقالت الجدة: أنا أريد من سارة أن تساعدني بتحضير العشاء. فابتسمت سارة وقالت: لكن أخي قال لي أنه يريد أن يساعدك. وهمست في إذنه مرة ثانية:تذكر البطة! فسكت، وذهبت سارة إلى الصيد وبقي هو في البيت للمساعدة! بعد بضعة أيام وجد نفسه يعمل واجبه وواجب سارة أيضاً. لكنه لم يستطع الاحتمال أكثر! فذهب إلى جدته واعترف لها بأنه قتل بطتها المدللة. جثت الجدة على ركبتيها، وعانقته ثم قالت:أنا أعلم ذلك! فقد كنت أقف على الشباك ورأيت كل شيء! لماذا لم تقل لي ذلك من يومها؟ ألا تعلم أن حبي لك سيجعلني أعفو عنك؟ لق سكت لأني أردت أن أعلم إلى متى ستحتمل أن تكون عبدا لأختك سارة! أليس هذا مثلنا جميعا مع الشيطان؟ إنه يريد أن يبقينا عبيداً له من خلال ما فعلناه في ماضينا! لماذا لا نعترف لربنا الذي يحبنا؟ نعترف إليه بذنوبنا؟ ثم نتوب ونستغفر؟. روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني،غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنانالسماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم! إنك لو أتيتنيبقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقولالله سبحانه: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسهذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وإن اقترب إلي شبرااقتربت إليه ذراعا. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
مناجاةقلب كسير بقلم الشيخالدكتور: محمد سعيد رمضان البوطي
في ليلة طويلةظلماء، ساقني الكرب إلىأعتاب الخالق جل جلاله، وهناك لقيت من الأنس أضعاف ما أملتهمن دنيا الناسوشؤونهم، فغمرتني نشوة الذل لقيّوم السماوات والأرض، وفاض القلب بهذهالنجوى. وكيف يكون كسيراوأنت النور الذي يشعّ في حناياه والأمل الذي يخفقبه ويعيش عليه!. بل كيف لا يكونكسيرا وقد ذلّ لعظيم سلطانك، ودان لسابق حكمِكوقضائك!. بلائي به محضالعبودية لك، والتجاؤه إليك، محض رعاية وتوفيقمنك، فلأيّهما أدينبالشكر، وعلى أيهما أبذل التحمّل والصبر، وأقسى ما في كلّ منهمانعمة منك لاأستحقّها، ويد جميلة لا قبَل لي بأداءشكرها. مولاي: لئن نسيتْني أفراحُالدنيا، فإن عزائي بما فاتنيمنها عظيم ما ألقاه من الأنس بذاتك، والأملِ في رحمتك. ولئنأبكتْني صروف اللياليوالأيام فإن عزائي معها بكائي على أعتاب لطفك وبين يديربوبيتك، وشتان بين دموعاعتصرتْها الآلام من العيون، ودموع استجابتْ لذلّ العبوديةفانحدرت تبكي لمن خلقالوجد في القلوب، وأودع الحرقة في الدموع. مولاي: أأشكرك على ماأوليتني من نعمةالصبر على البلاء، أم أشكرك على ما أوليتني بذلك من سعادة القربإليك ولذّةالمناجاة لك؟. جلّت حكمتك يا سيدي، وصدق ما قاله الواصلون: 'إنّ في كلّجلال جمالا، وفي كلابتلاء منّة ولطفا'. وهل في اللطف ما هو أعظم من انصراف العبدإليك، وتحوله عنالأغيار إلى ملازمة بابك الكريم. إلهي! أي شيءيوحشني من الدنيافقْده بعد أن رأيتك أمامي، وأنست بك في سري وجهري؟!. بل أي منّةمنك أعظم وأجلّ منأن تُزيح عني حجابا كان قد شغلني عنك، فشُغلتُ بك عنه بماأكرمتَني منالاعتصام بك والتضرع إليك؟. لقد ذهب موسى ليقتبس نارا، فعوّضتَه عن ذلك بعظيم نجواك!. نعم، إنالقلب قد يتألم ولكن ماألذَّ الألَم الذي يذيق صاحبه طعم العبودية لك، وحلاوةالرضا بحُكمك!. ولكنييا مولاي، أجدني قدتطاولتُ بهذا القول إلى مكانة ليس لي شرف الدنوّ إليها، وما أنا - وحقك- في المنزلةممن يَحسُن بهم أن يقولوا: 'عذِّبْ بما شئتَ، غيرِ البُعدعنك'. إنني يا مولاي عبدإحسانك وفضلك، أفرّ من كل ضائقة إلى ظلال رحمتك، وأرتمي هاربًا منكل بلاء أمام أعتاب جودك، حسبي أن أتعلق في الخوف من كل كرب بنجوىأحبِّ خلقك إليك: 'ولكن عافيتك أوسع لي'. وبدعاء نبيك الكليم: (رَبِّ إِنِّي لِمَاأَنْزَلْتَ إِلَيَّمِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، وبنداء رسولك الصابر الأوابلربِّه (أَنِّي مَسَّنِيَالضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). وكيف لا أتعلقبفضلك وأطمع بعافيتك، وأنت الذي لم تُقصِني عنمائدة إحسانك فييوم من حياتي، ولم تقطع عني وابل رحمتك في لحظة من عمري؟!. أم كيفأَركن إلى البؤسوالضيق، وأنت الذي عوّدتَني العطاء، ونشّأتني في ظلالالرخاء؟!. أعوذ برحمتك التيغمرتَ بها وجودي كله، من أن تبدّل بها شدة لاقبل لي بها، أو بلاء لا صبر لي عليه. إلهي: سألوني عن وجودك، فقلتُ لهم: 'متىعرفتم أنفسكم رأيتموه، ولولا ضلالكم عن كَينونتكم لَماافتقدتموه'. إن الذي ينظر إلىالعالم ذاهلا من وراء منظار، جدير به أن يفتقدمنظاره ولا يراه، ومهما أدار عينيه فيما حوله فإنه لن يعثر عليه، حتى يهتدي إلىذاته ويتحسسالمنظار القائم أمام عينيه. وسألوني عن أقدسسرّ من أسرارك، فقلت لهم: 'إنه القلب!'. يخفق ويحسّ، ويحنّ ويئنّ، في عالملا تطوله فيه يدُ المالوالمتاع، ولا الصَّنعة والخداع، ولا الدنيا وزخرفها، أوالمادة وقيمها!. عروشالدنيا وممالكها، وبطشها وسلطنتها... كل ذلك أقلّ من أن يقاوم خفقة من خفقات قلبمحبّ!. ونعيم الدنياوأفراحها، ولهوها ولذائذها... كل ذلك أقلّ من أن يخلقلمعةَ فرحٍ في قلبحزين!. يمضي الناس فيمعالجة مدَنياتهم وحضاراتهم، ويتسابقون إلى دنياهم وملاذهم، وتبقى هذه القلوب الخفاقةفوق ذلك كله، لا تطوّرهايد الحضارة ولا تغيرها آثار المدنية. فهل في أسرار ماصنَعه الخالق شيء أقدسوأعجب من القلب. وسألوني يا مولايعن أبدع مخلوقاتك وأجمل آثارك، فخرجت بهمأجتلي مغاني الربيع!. ولما توسطنا السفوحالخضر، وهي ترتجّ وتموج بما انبسطفوقها من أفانين الخضرة الفاتنة، والرياحين العطرة، والأزاهير التي تذوب وراءجمالها العين، ناديت بأعلى صوتي: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِرَحْمَةِ اللهِ كَيْفَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)!. انظر إلى آثار رحمةالله، كيفبدّلت وحشةَ الأرض أُنسًا، وحوَّلت جدبها اخضرارًا، وأخرجت من قسوتها رقة تثملبها النفس، وفتنةًينتشي بها القلب!. بالأمس كنتَ تنظرإلى هذه الأرض وهيبلقع تلفّها وحشة اليأس، واليوم تبعث العينَ فيها وإذا هيتفيض حياة ونضارًا، وتزدان برونق الأمل!. بالأمس كان يُبصرفيها العاشق الملتاع صدى لوحشتهوعذابه، واليوم يجلس إليها ليتّخذ منها نجيّ أشواقه، وسميرآلامه ومبعثآماله. أجل (فَانْظُرْإِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِيالأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). مولاي: هل كان فيما أبدعهصُنعكَ هذا - ما بينشتاء وربيع - إلاّ صورة رائعة أبرزتَ فيها - بعظيم إبداعك - كيفيتحول اليأس المحرقإلى أمل خافق منعش، وكيف تُنشَّأ الحياة المضيئة من جوف ظلامميت!. جلّت حكمتك وعظمترحمتك يا مولاي. متّعتَ أعين العشاق بالورودالحمراء، وأنطقتَهالهم بلغة من الجمال تتقاصر عنها لغة الكلام، حتى يكون لهم منذلك عزاء عن الجمالالذي افتقدوه، وسلوًى عن الأمل الذي خسروه!. أنعشتَنفوسَهم بعبقالرياحين وعطر الزهور، حتى يغسلوا أفئدتهم بها من غبار الكآبة وألمالهجران!. أقمتَ لهم من مرأىالخمائل بكل ما زيّنتَها به من فتنة وجمالنديمًا يسامرهم وجليسا يؤنسهم ونجيا يتأثُر لأنّاتهمويتمايللآهاتهم!. وأبدعتَ لهم ذلككله - يا مولاي- من جوف أمِّهمالأرض!. ألا بوركتِ أيتهاالأرض، مصدر سلوى لأبنائك الذين لا تزال الحياةتحرّكهم على ظهركولْيزدك الله رحمة بنا وحنانًا، يوم يعيدنا الردى منك إلىالأعماق. ورأيتُ يا مولاي، أشتاتا من الناس يسرحون ويمرحون خلال تلك الآثاركما تسرح الدوابّوالأنعام!. وقد اتخذوا من دونك حجابا، وجعلوا من نعمائك شغلا لهمعنك، ومن عطائكسببا لكفرانهم بك!. ورأيتُهم يسجدونللمرآة التي يسطع فيهاخيال الشمس، وهم عن وجود الشمس وحقيقتها غافلون!. ورأيتهم قد فُتنوابعبقالرياحينوصور الورد والزهر والياسمين؛ ولكنهم عموا أو تعاموا عمن أبدع الرائحة فيالعطر، وخلق النشوةفي الخمر، وأخرج الورود من أكمامها، وفجّر الخضرة منجذورها!. ورأيتُكَ يا مولاي، تشملهم جميعا بالمنّة والعطاء، وتوليهم جميعاالرحمة والنَّعماء. تلك هي رحمتك بمن قد نسيَك وتاه عنك. فكم هي رحمتك - ترى - بمنعاش يرقب فضلك ويستمطر جودك وإحسانَك؟!. أيتها الرياضالنّضرة!. أيتها الورودالناعمة الضاحكة!. أيتها الروائحالمسكرةالعبقة!. لَشدَّ مَا يطربنيوينعشني أن أجدني غريقا فيما بينكم، ملفوفابتَحنانكم، ولكني ما انتعشت منكم بشيء أكثر من الأمل!. الأمل!. أقرؤه فيتماوج العشب معالرياح السارية، وأجده في انبعاث روائح منعشة شتى من تلك الورودالنضرة، وأسمعه منحفيف الأغصان وتصفيق أوراقها الرقيقة الخضرة. أجل. إنهالأمل الذي صورتْهيد الخلاّق، إذ أنبَتَكم من طوايا أرض مظلمةٍ جامدة؛ أبدع حياةالأرض من موتها، وأخرج زينة الدنيا من كآبتها، وأظهر أرقّ ما في الكونمن قسوتهوصلابته!. يا من استوى فيخلقه الأملُ واليأس، وتلاقى في تقديره الموت معالحياة!. يا مُنشئ النور منالظلام، ومبدع الفرح من الأحزان!. يامن هذا سرّ لطفكوطعم إحسانك وحنانك!. يا إلهي! كيف أيأس إذاًوأنت ربّي، أم كيفلا يُنعشني الأمل وأنتحسبي؟
من كتاب “هكذا علمتني الحياة”، للدكتور مصطفىالسباعي
(دُوِّنت هنا في أول أيام عيد الأضحى 1429)
لو كبَّرت قلوب المسلمين كما تكبِّر ألسنتهم بالعيد، لغيَّروا وجه التاريخ، ولو اجتمعوا دائماً كما يجتمعون لصلاة العيد، لهزموا جحافل الأعداء، ولو تصافحت نفوسهم كما تتصافح أيديهم؛ لقضوا على عوامل الفرقة، ولو تبسمت أرواحهم، كما تتبسم شفاههم؛ لكانوا مع أهل السماء، ولو ضحوا بأنانياتهم كما يضحون بأنعامهم؛ لكانت كل أيامهم أعياداً، ولو لبسوا أكمل الأخلاق كما يلبسون أفخر الثياب؛ لكانوا أجمل أمة على ظهر الأرض.
تقول إحدىالأخوات: كانت بنتي في المدرسة الابتدائية، والصلاة ثقيلة عليها. وما كان ينفع معها الوعظ ولا الكلام!. وفي يوم من الأيام زرتُ قريبةً لي، فلما حضرت الصلاة قام أولادها يصلون دونأن تقول لهم.
فسألتُها: كيف يصلي أولادك من نفسهم دون تذكير؟ قالت: استعنت عليهم بالدعاء، فأنا من قبل أن أتزوج أدعو الله بهذاالدعاء القرآني: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء)
تقول الأخت: فلزمتُ الدعاء منذ ذلك اليوم، وصارت بنتي الآنفي المدرسة الثانوية، وصارت هي التي تذكرنا بالصلاة، وصار إخوتها وأخواتها حريصين علىالصلاة، والحمد لله.
مع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض, حيث يكد فيها الإنسان ويجهد, وينتظر من ورائها الرزق والنصيب. فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء. إلى الغيب. إلى الله. ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم.
أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة, فهي آيات للموقنين. آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله; ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص, والأسباب الظاهرة للرزق, فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب.
والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها; ويفهمها على وضعها; ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها. فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها. إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها, وألا يغفل عن الله في عمارتها. ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء. وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه, فرزقه مقدر في السماء, وما وعده الله لا بد أن يكون.
بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض; بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات. حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولا قلبه بالسماء, وقدماه ثابتتان على الأرض. فهكذا يريد الله لهذا الإنسان. هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين.
والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته، لأنه يكون حينئذ في الحالة التي أنشأه الله لها. فطرة الله التي فطر الناس عليها. قبل أن يتناولها الفساد والانحراف.
دخلت على مريض في المستشفى، فلما أقبلت إليه فإذا رجل قد بلغ من العمر أربعين سنة، من أنضر الناس وجها، وأحسنهم قواما، لكن جسده كله مشلول لا يتحرك منه ذرة إلا رأسه وبعض رقبته! لو أخذت فأسا وقطّعت جسده من رجليه إلى صدره لما شعر بشيء.دخلت غرفته فإذا جرسالهاتف يرن. فصاح بي وقال: يا شيخ أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال. فرفعت سماعة الهاتف ثم قربتها إلى إذنهووضعت مخدة تمسكها وانتظرت قليلا حتى أنهى مكالمته. ثم قال يا شيخ أرجع السماعة مكانها، فأرجعتها مكانها ثم سألته: منذ متى وأنت على هذا الحال فقال منذ عشرين سنة وأنا مشلول على هذا السرير!
وحدثني أحد الفضلاءأنه مر بغرفة في المستشفى فإذا فيها مريض يصيح بأعلىصوته ويئن أنينا يقطع القلب. قال صاحبي: فدخلت عليه فإذا جسده مشلول كله وهو يحاول الالتفاف فلا يستطيع!فسألت الممرض عن سبب صياحه فقال: هذا مصاب بشلل تام وتلف في الأمعاء وبعد كل وجبة غداء أو عشاء يصيبه عسرهضم! فقلت له: لا تطعموه طعاما ثقيلا جنبوه أكل اللحم والرز. فقال الممرض: أتدري ماذا نطعمه؟ والله لا ندخل إلىبطنه إلا الحليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه! وكل هذهالآلام ليهضم هذا الحليب!
وحدثني آخرأنه مر بغرفة مريض مشلول أيضا لا يتحرك منه شيئا أبدا.قال: فإذا المريض يصيح بالمارين، فدخلت عليه، فرأيت أمامهلوح خشب عليه مصحف مفتوح، وهذا المريض منذ ساعات كلما انتهى من قراءة الصفحتين أعادهما فإذا فرغ منهما أعادهمالأنه لا يستطيع أن يتحرك ليقلب الصفحة ولم يجد أحدا يساعده. فلما وقفت أمامه قال لي: لو سمحت أقلب الصفحة. فقلبتها فتهلل وجهه ثم وجَّه نظره إلى المصحف وأخذ يقرأفانفجرت باكيا بين يديه متعجبا من حرصه وغفلتنا!
وحدثني ثالثأنه دخل على رجل مقعد مشلول تماما في أحدى المستشفياتلا يتحرك إلا رأسه. فلما رأى حاله رأف به وقال: ماذا تتمنى؟ ظن أن أمنيته الكبرى أن يشفى ويقوم ويقعد ويذهب ويجيء. فقال المريض أنا عمري قرابة الأربعين وعندي خمسة أولاد، وعلى هذا السرير منذ سبع سنين،والله لا أتمنى أن أمشي ولا أن أرى أولادي ولا أعيش مثلالناس! قال: عجبا إذن ماذا تتمنى؟ فقال: أتمنى أن أستطيع أن ألصق هذه الجبهة على الأرض وأسجد كما يسجد الناس!
وأخبرني أحد الأطباءأنه دخل غرفة الإنعاش على مريض فإذا شيخ كبير على سرير أبيض وجهه يتلألأ نورا. قال صاحبي: أخذت أقلب ملفه فإذا هو قد أجريت له عملية فيالقلب أصابه نزيف خلالها مما أدى إلى توقف الدم عن بعضمناطق الدماغ فأصيب بغيبوبة تامة،وإذا الأجهزة موصلة به وقد وُضع على فمه جهاز للتنفسالصناعي يدفع إلى رئتيه تسعة أنفاس في الدقيقة.وكان بجانبه أحد أولاده. سألته عنه، فأخبرني أن أباه مؤذن في أحد المساجد منذ سنين.أخذت أنظر إليه حركت يده حركت عينيه كلمته لا يدري عن شيء أبدا. كانت حالته خطيرة.اقترب ولده من أذنه وصار يكلمه وهو لا يعقل شيئافبدأ الولد يقول: يا أبي، أمي بخير وإخواني بخير، وخالي رجع من السفر واستمر الولد يتكلم، والأمر علىما هو عليه. الشيخ لا يتحرك والجهاز يدفع تسعة أنفاسفي الدقيقة! وفجأة قال الولد: والمسجد مشتاق إليك ولا أحد يؤذن فيهإلا فلان ويخطئ في الأذان ومكانك في المسجد فارغ، فلما ذكر المسجد والأذان اضطرب صدر الشيخ وبدأ يتنفسفنظرت الجهاز فإذا هو يشير إلى ثمانية عشر نفسا في الدقيقة والولد لا يدري. ثم قال الولد: وابن عمي تزوج وأخيتخرج، فهدأ الشيخ مرة أخرى وعادت الأنفاس تسعة يدفعهاالجهاز الآلي. فلما رأيت ذلك أقبلت إليه حتى وقفت عند رأسه. حركت يده، عينيه، هززته، لاشيء. كل شيء ساكن لا يتجاوب معي أبدا، تعجبت! قربت فمي من أذنه ثم قلت: الله أكبر. حي على الصلاة. حي على الفلاح.وأنا أسترق النظر إلى جهاز التنفس فإذا به يشير إلىثمان عشرة نفس في الدقيقة! لله دَرُّهم من مرضى! بل والله نحن المرضى! رجال قلبهم معلقبالمساجد. نعم (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (*) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فأنت يا سليما من المرض والأسقام، ويا معافى من الأدواء والأورام، يا من تتقلب في النعم ولا تخشى النقم! ماذا فعل الله بك فقابلته بالعصيان؟! بأي شيء آذاك؟! أليست نعمه عليك تترى؟ وأفضاله عليك لا تحصى؟أما تخاف أن توقف بين يدي الله غدافيقول لك: عبدي ألم أصح لك بدنك وأوسع عليك في رزقك وأسلم لك سمعك وبصرك؟فتقول بلى. فيسألك الجبار: فلم عصيتني بنعمي وتعرضت لغضبي ونقمي؟!
فعندها تُنشر في الملأ عيوبك، وتعرض عليك ذنوبك،فتباًّ للذنوب ما أشد شؤمها وأعظم خطرها؟ وهل أخرج أبانا من الجنة إلا ذنب من الذنوب؟ وهل أغرق قوم نوح إلا الذنوب؟ وهل أهلك عادا وثمود إلا الذنوب؟ وهل قلب على لوط ديارهم وعجل لقوم شعيب عذابهموأمطر على أبرهة حجارة من سجيل وأنزل بفرعون العذابالوبيل إلا المعاصي والذنوب؟!