الخوف حالة انفعالية داخلية يشعر بها الإنسان عند وجود خطر، أو حدوث حادثة أو توقع حدوث الخطر، تدفعه لأن يسلك سلوكاً يبتعد به عن مصادر الحوادث والأخطار. والخوف أمر غريزي فطري خلقه الله عزّ وجل في الإنسان ليستعين به على حفظ حياته وتجنب الأخطار. ومن هذا الخوف: الخوف من الأصوات المرتفعة جداً أو فقدان التوازن أو الحركة المفاجئة، وهذا تلقائي.ومن الخوف: ما يُتعلم في مواقف معينة. والخوف قد يكون من مخاوف حقيقية مثل الزلازل والبراكين والرعد والبرق والحيوانات المفترسة والحيوانات الضارة (العقرب وغيره).كما قد يكون من مخاوف وهمية غير حقيقية، مثل الخوف من الحيوانات الأليفة أو من الحدائق أو من بعض الناس (كالعسكر مثلاً) أو رؤية المياه الجارية وغيرها. وهناك ما هو حسي مثل الخوف من الحيوانات والشلالات وغيرها من الأمور المحسوسة. وقد يكون غير حسي لا يستطيع أن يدركه على حقيقته، كالخوف من الموت أو الجن والعفاريت أو الوحوش وغيرها. ومن هنا نعلم أن الخوف في نفس الطفل مبعثه الحقيقي في الغالب الجهل بطبيعة الأشياء وعدم معرفته بها وقلة إدراكه، ولا يسهل التغلب عليه إلا بتوسعة مدارك الطفل وتبصيره بالأشياء المحيطة به وربطها بخبرات سارة محببة إلى الطفل. كيف ينشأ الخوف في نفس الطفل؟ 1ـ ينشأ الخوف في نفس الطفل عن طريق المشاركة الوجدانية للآخرين وتقليدهم، فمن اليسير أن تنتقل حالة خوف الأم إلى طفلها، وكذلك الأب أو المربية أو المدرسة. 2ـ وينشأ الخوف نتيجة لاتباع الأساليب الخاطئة في تربية الطفل، فإذا كان الوالدان يهددان الطفل ويخيفانه بهدف الامتناع عن اللعب والإزعاج أو بهدف المذاكرة مثل: نضعك في غرفة مظلمة أو غرفة الفئران أو ستأخذك الغولة، فالطفل إما أن يقلع عما يفعل وينشأ خَضوعاً جباناً لغير سبب معقول، أو يستمر في فعله ولا ينفذ الوالدان تهديدهما وتخويفهما فيكتشف الطفل ضعفهما ويدرك مدى قوته فيستمر فيما يريد. 3ـ كما أن الجو الصاخب في الأسرة لأي شجار طارئ والألفاظ غير المستحبة والمعارك المستمرة بين الكبار المحيطين به يفقد الطفل الشعور بالأمن ويفقده الثقة بنفسه وبمن حوله ويتسرب الخوف إلى نفسه. 4ـ بعض الأحيان يطيب للوالدين أو أحدهما تخويف الطفل من شيء ما للتسلي أو للضحك على حالة الذعر التي تنتاب الطفل، مما يترتب عليه اضطراب شخصية الطفل وسوء العلاقة بينه وبين والديه. 5ـ يمكن أن ينشأ الخوف نتيجة للصدمات النفسية التي يتعرض لها، فيشعر بخوف لا ينتهي في لحظته، بل يمتد لفترات طويلة في عمر الطفل، مثل تعرضه لهجوم قط أو كلب، أو يخاف من الاستحمام أو الدش لأنه انزلق في الماء فجأة أو دخلت المياه إلى رئتيه. 6ـ وينشأ الخوف أحياناً في نفس الطفل الضعيف جسمياً عندما تؤدي حالة الضعف إلى ضعف المقاومة والشعور بالعجز. أساليب الوقاية وطرق العلاج: 1ـ من أساليب الوقاية أن يكون الوالدان نموذجاً للهدوء والاستقرار في تصرفاتهم وبشكل طبيعي.ومن الأفضل أن تكون مخاوف الآباء أو قلقهم بعيداً عن مرأى الأطفال وسمعهم، وأن يحرصوا على أن يكون جو الأسرة باعثاً على الأمن والطمأنينة والتفاؤل، فمن الضرر البالغ على نفسية الطفل أن نتحدث أمامه عن المخاطر والأهوال التي ستحدث أو ترديد عبارات التخوف من حدوث أمر مثل (وراء كل نعمة نقمة) أو (اللهم اجعله خيراً) إذا ضحك كثيراً.إن الهدوء والاتزان والتفاؤل يساعد الكبار والصغار على التعامل مع الخوف بشكل جيد. 2ـ أن يحرص الآباء على غرس الشعور بالأمن في نفس الطفل من خلال التعاطف معه، وفهم أفكاره ومشاعره ومشاركته فيها. 3ـ استغلال طاقات الطفل استغلالاً حسناً في اللعب والرياضة والقيام بالأعمال التي تروق له وحثه على تنظيم وقت فراغه. 4ـ من الأخطاء التي يقع فيها الآباء، الاستجابة لمطالب الطفل حينما يصرخ ويغضب، فيتعود هذه الطريقة في الحصول على رغباته. 5ـ من الخطأ أن نناقش سلوك الطفل مع الآخرين على مسمع منه، لأنه إما أن يستسهل هذا الأسلوب ويراه طريقاً سهلاً للحصول على إشباع حاجاته المختلفة، وإما يشعر بالنقص ويرى أنه غير جدير بعطف الوالدين ورعايتهما، وفي كلتا الحالتين خطر بالغ على الطفل.وإذا تعرض الطفل لموقف مخيف، حادثا أو فكرة، فيجب مناقشته فيها بهدوء وبواقعية، وتقريبها إليه في حدود قدراته وإمكانياته.فإذا سأل عن الموت مثلاً فلا يصح أن نتجاهل سؤاله أو نسخر منه، وإنما نجيبه بعبارات مبسطة قريبة دون الخوض في التفاصيل.وإذا مات عصفور أو قط ينبغي انتهاز الفرصة لإعطائه درساً عملياً في أن الموت نهاية كل حي، والإنسان تنتهي حياته بالموت لتبدأ حياة طيبة أخرى تحتاج منك أن تعمل الطاعات وأوجه الخير والتقرب إلى الله. ويمكن مساعدة الطفل عن طريق استخدام اللعب، فاللعب وسيلة جيدة لتعليم الطفل كيفية التعامل مع الخوف. فإذا كان يخاف المياه فإن اللعب في المياه ومشاهدة الأطفال يلعبون فيها يؤدي إلى ألفة الطفل للمياه فتزول مخاوفه منها. ولا يصح أن نخيف الطفل وقت النوم ونهدده بأشياء غير محببة، بل نجعل هذا الوقت باعثاً على السرور، بقص بعض الحكايات والروايات الإيجابية المتضمنة قيماً دينية واجتماعية وغيرها. ومن أهم أسباب الوقاية التي ينبغي اتباعها، أن نساعد الطفل على تجاوز أي حادثة خوف يتعرض لها بهدوء وتعقل شديدين، فلا نترك الطفل دون مناقشة فيما حدث. وينبغي مراعاة طبيعة نمو الطفل ورغبته في استطلاع ما حوله واستكشاف الأشياء المحيطة به، فنقلل من الأوامر والنواهي التي تقيد حرية الطفل وتجعله يدرك أن الأشياء التي نأمره بالابتعاد عنها هي أشياء مخيفة. وعلى الوالدين أن يقدما القدوة والمثال للطفل، فلا يظهرا الخوف أمام الطفل ولا يشعراه بالقلق عليه قلقاً شديداً إذا تأخر أو مرض أو جرح أو غير ذلك. ومن المهم جداً أن نقص على الأطفال قطوفاً من سيرة أبناء الصحابة والتابعين وبيان شجاعتهم وهم أطفال. ونتذكر أن ديننا يأمرنا أن ننشئ أطفالنا على الإيمان بالله وعبادته والخوف منه والتسليم لقضائه، فإذا نشأ بهذه النفسية فإنه لا يخاف إذا ابتلي ولا يهلع إذا أصيب.
هذا العنوان في الحقيقة هو عنوان فيديو كليب للمنشد يحيى حوى، يبث على بعض القنوات، ومتوفر على يوتيوب وفي الأسواق أيضاً، استعرته لهذه المقالة التي وصلتني بالبريد دون أن يكتب اسم كاتبها أو عنوانها.
ما أظلم الحياة وأتعسها إذا خلت من غاية سامية يعيش لها المرء، وما أعظمها من أوقات إن كانت تسير وفق هدف نبيل وجليل. وغاية المسلم لا تدانيها غاية، هي أن يصل إلى مرضاة ربه، وأن يدخل الجنة مع الأنبياء والصالحين وحسن أولائك رفيقا. ويا لها من نهاية سعيدة وما أعظمه من نجاح. لكن الوصول إلى ذلك يقتضي العيش على ما خَلقَنا الله لأجله، وهو عبادته وفق منهجه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك لنحقق مقتضى الآية الكريمة: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). ولكن كيف يتأتى للمسلم أن يجعل يومه وكل حياته عبادة، ينال به الأجر موصول مع الطاعات المفروضة؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية “العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.”، ويقول الشيخ القرضاوي “إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعله الخير لا تصيد الثناء، واكتساب السمعة الزائفة عند الناس”.
أجل ما تقوم به من عادات يمكنك تحويلها إلى طاعات، تؤجر على فعلها، وتنال بها الحسنات الكثيرة والأجر العظيم. فالنوم أمر فطري لابد منه ليأخذ الجسم حظه من الراحة، كي يستطيع الإنسان مجابهة متطلبات الحياة، يمكنك تحويل هذه العادة إلى طاعة محضة، إذا أويت إلى فراشك ذكرت الله ولهج لسانك بالدعاء المأثور، وقصدت الحصول على الراحة لتستطيع الاستيقاظ باكرا لعبادة الله كقيام الليل، وأداء صلاة فجر، أو أن تصبح بحالة نشيطة للسعي في كسب الرزق الحلال. وإن سِرت في الشارع تريد قضاء حوائجك المعيشية، أو الذهاب لعملك أو مكان دراستك، تنوي إغاثة ملهوف، إرشاد ضرير، أو توجيه سائل عن عنوان معين، وإماطة أذى عن الطريق. فهي نيات متعددة رغم أنك تقصد وجهة دنيوية، ولكنك تحولها بفضل الله إلى عمل مأجور في كل خطوة تخطوها. كما أنك تستطيع جعل دراستك طاعة إن ابتغيت بها خدمة دينك وأمتك بطلب العلم، وأن تستطيع بها تعليم غيرك أمور الدين والدنيا. وأنت أيها الموظف. أنت على باب عظيم من إرضاء ربك إن نويت من عملك الموكل إليك تسهيل وقضاء حوائج ومعاملات المتعاملين مع مؤسستك، أو تنصر مظلوما هُضِم حقه، وأنت تتمثل في ذهنك حديث رسول الله “أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة، شهرا”، واجعل هدفك أن تكون قدوة للمسلم المتفاني في عمله، المتقن له، بأن تعطي صورة ناصعة عن ما يكون عليه الملتزم بدينه. وأما أنت يا أختي الكريمة يا من تبذلين من وقتك الكثير وتتفانين في خدمة أسرتك وأولادك، تستطيعين جعل أشغالك مصدرا لنيلك الأجر العميم، فإذا كنت تطبخين فاجعلي لسانك يَلهجُ بالذكر مع استصحاب أن “في الكبد الرطبة صدقة”، ليكون ما نأكله تقوية على طاعة الله، وحين تعتنين بالبيت تجميلا وتنظيفا لخلق جو يمتع النفس ويبهجها فتمارس فيه الطاعة بمتعة وحيوية، فيسعد بذلك أهل بيتك وتنالين أجر إدخال السرور على المسلم. فيصح فيك قول النبي “أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن؛ كسوت عورته، وأشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة". فإذا مارست الرياضة استصحبت نية الحصول على جسم سليم، قوي يكون عونا على خدمة أمتك ودينك، ويكون دافعا لمزيد من الكسب الحلال والرزق الطيب للضرب في الأرض بقوة ونشاط. وإن خَرجت لنزهة أو استجمام في مكان خال من الاختلاط، والمعاصي فاجعل ذلك سياحة وفكرا، وتأملا في خلق الله وجمال صنعه، وترويحا للنفس حتى لا تمل. وعند اتصالك بالإنترنت فاستصحب نية البحث عن العلوم المفيدة، ونشر الكلمة الطيبة، والترويج للمواقع النافعة. وضع دائما حديث رسول الله “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” نصب عينيك. وهكذا حاول دوما استحضار نية صالحة، وسارع بتجديد نيتك، ولا تدع أي عمل تفعله يمر دون أن تكون لك فيه نية أو نيات صالحة، هنا تكون قد حققت مراد الآية الكريمة، وتكون قد جعلت حياتك كلها لله.
يقول أحد معلمي القرآن في أحد المساجد: أتاني ولد صغير يريد التسجيل في الحلقة.فقلت له: هل تحفظ شيئاً من القرآن؟ فقال: نعم فقلت له: اقرأ من جزء عم فقرأ. فقلت: هل تحفظ سورة تبارك؟ فقال: نعم فتعجبت من حفظه برغم صغر سنه. فسألته عن سورة النحل؟ فإذا به يحفظها فزاد عجبي. فأردت أن أعطيه من السور الطوال فقلت: هل تحفظ البقرة؟ فأجابني بنعم وإذا به يقرأ ولا يخطئ. فقلت: يا بني هل تحفظ القرآن؟ فقال: نعم! سبحان الله وما شاء الله تبارك الله. طلبت منه أن يأتي غداً ويحضر ولي أمره وأنا في غاية التعجب! فكانت المفاجأة الكبرى حينما حضر الأب ! ورأيته وليس في مظهره ما يدل على التزامه بالسنة. فبادرني قائلاً: أعلم أنك متعجب من أنني والده! ولكن سأقطع حيرتك... إن وراء هذا الولد امرأة بألف رجل.وأبشرك أن لدي في البيت ثلاثة أبناء كلهم حفظة للقرآن... وأن ابنتي الصغيرة تبلغ من العمر أربع سنوات تحفظ جزء عم! فتعجبت وقلت: كيف ذلك ! فقال لي إن أمهم عندما يبدأ الطفل في الكلام تبدأ معه بحفظ القرآن وتشجعهم على ذلك. ومن يحفظ أولاً هو من يختار وجبة العشاء في تلك الليلة... ومن يراجع أولاً هو من يختار أين نذهب في عطلة الأسبوع... ومن يختم أولاً هو من يختار أين نسافر في الإجازة. وعلى هذه الحالة تخلق بينهم التنافس في الحفظ والمراجعة.
فطرالله تعالى الأطفال على الشعور بالحاجة الشديدة إلى الكبار، وهذا يدفعهمإلى الإكثار من إلقاء الأسئلة عليهموالالتجاء إليهم والاحتماء بهم، وهذا كله يوفر نوعاً من التفاعل النشطبينهم وبين آبائهم وأمهاتهم، لكن هذه العملية لا تتم على نحو سلس، فضلاًعن أنها عملية تشكو النقصالمستمر. تفاعل الصغار مع الكبار يعني أنهم من خلال الإعجاب بهم والإيمانبحكمتهم والثقة بشفقتهم، يقبسون من عقولهم وأرواحهم وعاداتهم ما يكملون بهشخصياتهم، وما يساعدهمعلى أن يدرجوا نحو النضج والاكتمال. السؤال الذي يطرح نفسه هو: مع أي شيءفينا يتفاعل صغارنا؟ والجواب:إنهم يتفاعلون مع ما لدينا من مشاعر واتجاهات ومواقف وسلوكيات ولايتفاعلون إلا على نحو ضعيف مع أقوالنا ومواعظنا، ولو أن الكلام كان كافياًلتغيير عاداتهم وتصحيح أخطائهم، لكانت التربية من المهمات السهلة. من هنايظهر عدم وعي الآباء الذينيشكون من انحراف أبنائهم مع أنهم – كما يقولون- لا يكفون أبداً عن النصحوالتوجيه، وما دروا أن كثرة النصح لا تحل المشكلة، بل تدل على وجود مشكلةانعدام أو ضعف تفاعل أبنائهممعهم! نحن نساعد الأطفال على التفاعل معنا إذا تفاعلنا معهم، من خلالالاهتمام بما يقولونه، والاستعداد لتغيير بعض ما لدينا بناء علىمقترحاتهم؛ ونحن نساعدهم كذلك إذاشاركناهم الرأي في بعض الأمور التي تعنيهم، وإذا أجبنا على تساؤلاتهم،وأكثرنا من التحدث إليهم. وفيإمكاننا القول: إن تفاعل أبنائنا معنا يمكن أن يتم على نحو جيد، إذاتخلصنامن الأمور التي تضعف ذلك التفاعل من نحو العقاب البدني والصراخ المستمروالمقارنة السلبية، وإذا تخلصنا من تصلب الرأي والتسلط الذي يغري بهاعتقادنا أننا على الصواب المطلقفي كل ما يتعلق بهم. علينا أن لا نتضايق من كثرة ما يطلب منا في تربيةأبنائنا لأن أي جهد نبذله في تربيتهم هو جهد مأجور، وأعمالهم الصالحة فيصحائفنا إن شاء الله تعالى فنحنالذين كنا السبب في وجودهم، ونحن الذين دللناهم على الخير. ومن وجه آخرفإن علينا أن نتذكر أن ما يطلب منا اليوم كان مطلوباً من آبائنا نحونا،وسيطلب من أبنائنا اتجاه أبنائهمفالدنيا، أخذ وعطاء ودين ووفاء.
قام أبو يزيد البسطامي يتهجد من الليل فرأى طفله الصغير يقوم بجواره! فأشفق عليه لصِغَر سِنِّه ولبرد الليل ومشقة السهر فقال له: ارقد يا بني فأمامك ليلٌ طويل.
فقال له الولد: فما بالك أنت قد قمت؟
فقال: يا بني قد طَُلَب مني أن أقوم.
فقال الغلام : لقد حفظت فيما أنزل الله في كتابه: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثيْ الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك) فمَن هؤلاء الذين قاموا مع النبي صلي الله عليه وسلم؟
فقال الأب: إنهم أصحابه.
فقال الغلام: فلا تحرمني من شرف صحبتك في طاعة الله!
فقال الأب وقد تملَّكته الدهشة: يا بني أنت طفل ولم تبلغ الحلم بعد.
فقال الغلام : يا أبتِ إني أرى أمي وهي توقد النار تبدأ بصغار قطع الحطب لتشعل كبارها... فأخشى أن يبدأ الله بنا يوم القيامة قبل الرجال إن أهملنا في طاعته!
فانتفض أبوه من خشية الله وقال: قم يا بني فأنت أولى بالله من أبيك!
يتعلم الأطفال القراءة في المدرسة. ومع تعلّمها تبدأ رحلتهم في المطالعة، والتعرف إلى مختلف العلوم والمعارف... لكن كثيراً من الأطفال تبقى قراءتهم مقتصرة على الكتب المدرسية وحدها... وهي غير كافية لتنشئة إنسان واعٍ بما حوله، مُلمّ بطرف من العلوم، يواكب ما في الحياة العصرية من متغيرات.
والله تعالى نبّه إلى أهمية القراءة، حين جعل أول توجيه للإنسان في خاتمة الرسالات التي أخرجت للناس: }اقرأ{، فكانت القراءة مفتاح المعرفة والهداية.
والقراءة علم قائم بذاته، لا يقل أهمية عن أي مادة من المواد التي يدرسها الطفل في المدرسة، بل ربما يجاوزها أهمية.. فالطفل حين يحسن القراءة، سوف يفهم ما يدرس جيداً، وحين يحب القراءة والكتاب، فهذا يعني أن يُقبِل على القراءة، وتثقيف نفسه، وهذا هو "التعلم المستمر".
أما حين لا يُقبل الطفل على القراءة، فهذا يعني توقُّف نموه الذهني والمعرفي، بل قد يعني الردّة للأميّة والجهل.
دور الوالدين في تعليم القراءة:
يحاول كثير من الآباء أن يعلّموا أطفالهم القراءة قبل الأوان، لكن هذا لا يفيد. فأنسب وقت لتعلم القراءة هو سنّ السادسة تقريباً... مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال. فبعضهم يبدأ قبل السادسة، وبعضهم يستعدّ لتعلم القراءة بعد تجاوزها... فالأمر يشبه تفاوت موعد المشي أو النطق... من طفل لآخر. لذلك فإرغام الطفل على تعلّم القراءة قبل استعداده لها قد يضرّ به، وربما يجعله يفشل ويتعثر في تعلمها، أو ينفر من القراءة مستقبلاً.
ويعتمد استعداد الطفل للقراءة على صحته الجسمية، ونموّه اللغوي والعاطفي والاجتماعي. غير أن بالإمكان مساعدته بإنشاء صداقة مبكرة بينه وبين الكتاب، واختيار الكتب ذات الصور الملوّنة لتحبيب الكتاب إليه..
ولكي نغري الطفل بالقراءة، علينا أن نقرأ له، ونخبره أن بإمكانه أن يقرأ ما يشاء عندما يكبر ويتعلم القراءة.
وإذا ما أتقن الطفل القراءة، علينا متابعته كي ينوع قراءاته، ثم علينا أن نعوّده على القراءة الصامتة، وإن كانت القراءة الجهرية مطلوبة لتحسين نطق الكلمات لديه، ثم لابدّ من تدريبه على زيادة السرعة في القراءة مع فهم ما يقرأ.
فالقراءة مهارة يمكن إتقانها جيداً بالتدريب والممارسة... والطفل حين يتقن القراءة سيصبح قادراً على تحصيل دروسه بسرعة أكبر وجهد أقلّ، وهذا بدوره سيمنحه وقتاً فائضاً يقرأ فيه ما يحبّ، وهذا شيء جيد بلا شك، فإذا قرأ الطفل عرف المزيد }قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون{.
وكلما ازداد قراءة، زادت معرفته بنفسه، واكتشف قدراته وطاقاته، وذلك سبيل للنجاح في الحياة، ومدعاة لمزيد من الثقة بالنفس والاعتزاز بها. كما أن القراءة تُثري قاموسه اللغوي، وتساعده على تمييز الرديء من الجيد.
عوامل مؤثرة في علاقة الطفل بالقراءة:
قسم العلماء العوامل التي تؤثر في علاقة الطفل بالقراءة إلى أقسام، هي:
1- العوامل المادية: كالصحة والبصر، والسمع ووقت القراءة ومكانها، والضوء، وهيئة الجلوس.
2- سرعة القراءة: هل هي قراءة كلمات أم عبارات كاملة؟ وهل تتغيّر السرعة بتغيّر طبيعة المادة المقروءة؟
3- القراءة الجهرية: لابد من نطق الكلمات صحيحة دون جهد، وبشكل يفهمه السامع.
4- الحصيلة اللغوية: هل قاموس الطفل واسع؟ هل يفهم الكلمات الصعبة والجديدة؟ هل يلجأ إلى المعجم؟
5- الفهم والاستيعاب: ما الهدف من القراءة؟ هل يصل إلى الفكرة الأساسية للموضوع المقروء؟ هل يدير في رأسه ما قرأ؟
6- أشياء تعين على القراءة: هل يجيد استخدام دوائر المعارف: الأطلس، المعجم... وهل يعرف كيف يقرأ صورة؟
7- ماذا يقرأ: هل يحسن الاختيار؟ هل يقرأ ما يحتاجه بالذات؟
من خلال ملاحظة هذه العوامل ودراستها، نستطيع تلمّس طبيعة العلاقة بين الطفل والقراءة، ومعرفة السلبيات، والعمل على علاجها، وتنمية وعي الطفل بالقراءة والمداومة عليها.
أنواع كتب الأطفال:
لابد للطفل أن يتدرب على ألوان عدة من القراءة، ويجب ألا تقتصر قراءته على القصص، بل لابد أن تمتدّ لتشمل الشعر، والموضوعات المختلفة في شتى العلوم.
وسنورد هنا تصنيفاً لإحدى مكتبات الأطفال، يعطينا صورة عن الاهتمامات الرئيسة للأطفال فيما يقرؤون:
كتب الصور... كتب سهلة لمن يتعلمون القراءة، القصص الخيالية والأساطير الشعبية، الملاحم، سير الأبطال والمشاهير، الكتب الدينية، الاستكشافات والرحلات، التاريخ، التاريخ الطبيعي: عالم النبات، وعالم الحيوان، العلوم البحتة: الفلك، الكيمياء، الفنون والمهارات اليدوية، التمثيليات: وكيفية أدائها وإخراجها، الشعر، والقصص الأدبية... كل ذلك بما يناسب المرحلة العمرية والتحصيل المدرسي والتدرج في الاطلاع...
كم كتاباً يقرأ الطفل في طفولته؟
قليلة هي الدراسات العربية حول الطفل والقراءة، خاصة في الجانب الميداني. وترجمة ما يكتب في الغرب لا يفيدنا في هذا المجال، لأن ما يقال عن أطفالهم قد لا ينطبق على الطفل العربي.
غير أن من المفيد أن نذكر أن إحصائية بيّنت أن الطفل الأمريكي يقرأ في طفولته ما لا يقلّ عن ستمائة كتاب!!
ولعل بعض المهتمين يرى أن موضوع الكمّ لا يُعوّل عليه كثيراً، إذ إن قراءة كتاب واحد واستيعابه أجدى من القراءة السريعة اللاهثة لعشرة كتب! لكن التراكم الكمّي لابد أن يثمر "كيفاً"، كما أن الكم يأتي نتيجة العادة، وغرس عادة القراءة في الطفل أمر أساسي لبناء عقل متطلع لمزيد من المعرفة دوماً. وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة قوية بين القراءة الشاملة، والقراءة المركّزة.
مقترحات لتشجيع الطفل على القراءة:
إذا سلّمنا بأن القراءة عملية تنمية مستمرة، ومهارة أساسية لنجاح الإنسان، في المدرسة والعمل، وفي حياته الخاصة كذلك، فلابدّ لنا من تشجيع الأطفال على القراءة، لتصبح عادة محبّبة لديهم.
وفيما يلي مقترحات تساعد المربّين في مهمتهم:
1- لا ترغم الأطفال على القراءة، بل حبّبهم بها، ويُفترض أن يستمتعوا بها من تلقاء أنفسهم.
2- وفّر لهم الحوافز ليقرؤوا ما يفضلونه.
3- وفّر لهم كتباً متنوعة تناسب ميولهم وأعمارهم.
4- شجّعهم على إبداء آرائهم فيما يقرؤون.
5- دعهم يشاركون في اختيار الكتب وشرائها.
6- شجّعهم على الإنصات للقصص المسجّلة على أشرطة، وتمثيل أدوار شخصيات النص فيما بينهم.
7- كن قدوة حسنة لهم بأن تقرأ بانتظام.
القراءة والكمبيوتر والإنترنت:
لقد دخل الكمبيوتر، ومعه الإنترنت، حياة معظم الناس، لاسيما أبناء الجيل الصاعد، في البيت والمدرسة والمكتب و"المقهى الإلكتروني"... فهل هذا منافس للقراءة أم داعم لها؟!
الجواب يتوقف على حسن التوجيه. وعلى سبيل المثال لا يزال المثقف الغربي، طفلاً كان أو يافعاً أو كبيراً، يلتهم الكتب قراءةً، في القصة والأدب عموماً، وفي العلوم والسياسة والفكر. وحين تركب القطار الذي ينقلك من حي إلى آخر في مدينة أوروبية، أو ينقلك من مدينة إلى أخرى، فلن يغيب عن عينيك رؤية أناس من مختلف الأعمار يستغلون أوقاتهم بقراءة كتاب ما، كما تجد بعضهم يحمل "اللاب توب" ويعمل فيه قراءة وكتابة وبحثاً.
بمقابل ذلك ترى كثيراً من أبنائنا لا يكادون يتعاملون مع الكمبيوتر إلا في مجال الألعاب والتسلية، ولا يستفيدون من الإنترنت إلا بـ "سحب" البحوث والموضوعات التي تطلبها منهم المدرسة من غير أن يقرؤوها أو يفهموا مضمونها... إنهم يقدّمون "واجباً مدرسياً" وينالون عليه علامة النجاح! وبذلك صرنا نرى أشباه أميين ويحملون شهادات دراسية متوسطة أو عالية!
هذه وصية الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه لتلميذه يوسف بن خلاد السَّمْتي البصري. وصى بها حين استأذنه الخروج إلى وطنه البصرة. فقال: لا، حتى أتقدَّم إليك بالوصية فيما تحتاج إليه في معاشرة الناس، ومراتب أهل العلم، وتأديب النفس، وسياسة الرعيَّة، ورياضة الخاصَّة والعامَّة، وتفقُّد أمر العامَّة.. حتَّى إذا خرجتَ بعلمك كان معك آلةٌ تصلحُ لك وتَزِيْنُك ولا تَشِينُك.
واعلم أنَّك متى أسأت عِشرة الناس صاروا لك أعداءً؛ ولو كانوا أمهاتٍ وآباءً، ومتى أحْسنت عشرة الناس من أقوام ليسوا لك أقرباءَ صاروا لك أقرباء. ثم قال لي: اصبر يوماً حتى أُفرِّغ لك نفسي، وأجمع لك هِمَّتي، وأعرِّفك من الأمر ما تحمدُني؛ وتجعل نفسك عليه، ولا توفيق إلا بالله.
فلما مضى الميعاد؛ قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا أكشف لك عمّا عزمت عليه..
كأني بك وقد دخلت بصرة؛ وأقبلت على المناقضة مع مخالفيك، ورفعت نفسك عليهم، وتطاولت بعلمك لديهم، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم، وهجرتهم فهجروك، وشتمتهم فشتموك، وضلّلتهم فضلّلوك، وبدَّعتهم فبدّعوك، واتصل ذلك الشَّين بنا وبك، واحتجت إلى الهرب؛ والانتقال عنهم، وليس هذا برأي فإنَّه ليس بعاقل مَن لم يدار مَن ليس له من مداراته بُدٌّ، حتى يجعل الله تعالى له مخرجاً. قال السَّمتيُّ: ولقد كنت مُزْمعاً على ما قال!
ثم قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقك؛ فأنزل كلّ رجل منهم منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظِّم أهل العلم، ووقِّر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرَّب من العامة، ودارِ الفجار، واصحب الأخيار، ولا تتهاون بالسلطان، ولا تحقِرَنَّ أحداً يقصدُك، ولا تقصِّرنَّ في إقامة مودتك إياهم، ولا تُخرجنَّ سرَّك إلى أحد، ولا تثـِقَنَّ بصحبة أحدٍ حتى تمتحنه، ولا تُخادم خسيساً، [أي لا تتخذه خادماً] ولا وضيعاً، ولا تقولنَّ من الكلام ما يُنكر عليك في ظاهره.
وإياك والانبساطَ إلى السفهاء، ولا تجيبنّ دعوةً، ولا تقبلنَّ هدية [لعله في حال تولي القضاء؛ كما قال له الإمامَ مرة: كأني بك قاضياً]، وعليك بالمداراة، والصبر والاحتمال وحسن الخلق، وسَعة الصدر.
واستَجِدَّ ثيابَك، وأكثِر استعمال الطيب، وقرِّبْ مَجْلسَك [أي اجعله عامّاً أو كثيراً]، وليكن ذلك في أوقات معلومة.
واجعل لنفسك خلوة تَرُمُّ بها حوائجك، وابحث عن أخبار حَشَمك، وتَقدَّم في تقويمهم وتأديبهم، واستعمل في ذلك الرفق، ولا تكثر العَتْبَ فيهونَ العَذْلُ. ولا تلِ تأديبهم بنفسكَ، فإنَّه أبقى لِمائك، وأهْيبُ لك.
وحافظ على صلواتك، وابذل طعامك؛ فإنه ما ساد بخيلٌ قطُّ، وليكن لك بطانة تعرِّفُك أخبار الناس، فمتى عَرَفت بفساد بادرت إلى صلاح، ومتى عرفت بصلاح فازدد رغبة وعناية في ذلك، واعمد في زيارة مَن يزورك ومن لا يزورك، والإحسان إلى من أحسن إليك أو أساء.
وخذ العفو وأْمر بالمعروف، وتغافل عمّا لا يعنيك، واترك كلّ من يؤذيك، وبادر في إقامة الحقوق.
ومن مرض من إخوانك فعُده بنفسك، وتعاهَدْه برُسُلك. ومن غاب منهم فتفقَّد أحواله. ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت عنه.
وصِلْ من جفاك، وأكرمْ من أتاك، واعفُ عمَّن أساء إليك. ومن تكلَّم منهم بالقبيح فيك فتكلَّم فيه بالحسن الجميل. ومن مات قضيت له حقَّه، ومن كانت له فرحة هنّيته بها. ومن كان له مصيبة عزَّيتَه عنها. ومن أصابه همٌّ فتوجَّعْ له به. ومن استنهضك لأمر من أموره نهضتَ له، ومن استغاثك فأغثه، ومن استنصرك فانصره. وأظهِر التودد إلى الناس ما استطعت. وأفشِ السلام؛ ولو على قوم لئام.
ومتى جمعك وغيرَك مجلسٌ أو ضمَّك وإياهم مسجد؛ وجرت المسائل، وخاضوا فيها بخلاف ما عندك لم تُبْدِ لهم منك خلافاً. فإن سُئلت عنها أجبت بما يعرفه القوم، ثم تقول: (وفيها قول آخر.. كذا، وحُجَّته كذا). فإذا سمعوا منك عرفوا قدرك ومقدارَك؟ وإن قالوا: هذا قول مَن؟ فقل: (قول بعض الفقهاء).
وإن استقروا على ذلك، وألفوه، وعرفوا مقدارك وعظّموا محلك فأعطِ كل من يختلف إليك نوعاً من العلم ينظرون فيه، ويأخذ كل منهم بحظِّ شيء من ذلك. وخذهم بجَليّ العلم دون دقيقه.
وآنسهم ومازحهم أحياناً وحادثهم؛ فإنها تجلب المودةَ وتستديم به مواظبةَ العلم، وأطعمهم أحياناً، واقض حوائجهم، واعرف مقدارهم، وتغافل عن زلاتهم، وارفق بهم وسامحهم. ولا تُبدِ لأحد منهم ضِيْق صدر أو ضجراً، وكن كواحد منهم. وارضَ منهم ما ترضى لنفسك. وعامل الناس معاملتك لنفسك. واستعن على نفسك بالصيانة لها، والمراقبة لأحوالها. ولا تضْجر لمن لا يضجر عليك. ودع الشَّغَب، واستمع لمن يستمع منك، ولا تكلِّف الناس ما لا يكلِّفونك، وارضَ لهم ما رَضُوا لنفسهم، وقدِّم حسن النية، واستعمل الصدق واطرح الكِبر جانباً. وإياك والغدرَ وإن غدروا بك، وأدِّ الأمانة وإن خانوك. وتمسَّك بالوفاء، واعتصم بالتقوى.
وعاشر أهل الأديان حسَب معاشرتهم لك، فإنك إنْ تَمَسَّك بوصيتي هذه رجوت أن تَسلم وتعيش سالماً إن شاء الله تعالى.
ثم إنه ليحزنني مفارقتك، وتؤنسني معرفتك؛ فواصلني بكتبك، وعرفني بحوائجك، وكن لي كابن فإنّي لك كأب.
قال يوسف بن خالد السَّمْتيُّ: ثم أخرج إليَّ دنانير وكسوة وزاداً وخرج معي، وحمَّل ذلك حمَّالاً، وجمع أصحابه حتى شيَّعوني، وركب معهم حتى بلغنا إلى شط الفرات، ثم ودعوني وودعتهم.
وكانت منَّةُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى بوصيته إليَّ وبِرِّه أعظم من كل مِنَّة تقدَّمت عليَّ.
وقدِمْتُ البصرة، فاستعملت ما قال، فما مرَّت عليَّ أيام يسيرة حتى صاروا كلهم لي أصدقاء، وانتقضت المجالس، وظهر بالبصرة مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، كما ظهر بالكوفة، وسقط مذهب الحسن وابن سيرين رضي الله عنهما، فما زالت كتب أبي حنيفة تجيئُني إلى أن مات رحمه الله تعالى.
[طبعت هذه الوصية الذهبية بذيل كتاب: "تعليم المتعلم طريق التعلم" للزرنوجي، تحقيق الشيخ عبد الجليل العطا، دار النعمان ـ دمشق، ط1/1418هـ ـ 1998م].
تجلسمع كثير من شبابنا، فتعجب مما لديهم من معرفة، ومن ملاحظة ذكية وطرح جميلوفلسفة عميقة، لكن تنظر في أوضاعهم المعيشية وفيوظائفهم وفي تأثيرهم في المجتمع، فتجد أكثرهم عبارة عن أشخاص عاديين وأحياناً أقل من عاديين، فتشعر بالأسى على تلك المواهب والإمكانات الذهنيةالمتفوقة التي لم يستطعأصحابها استثمارها والاستفادة منها! من الصعب علينا في كثير منالأحيان أن نحدد السبب الجوهري في نجاح شخص وإخفاق آخر، لكن سيظل فيإمكاننا استخدام بعض المؤشرات المفيدة، وفيمقاربة أولية لهذه المسألة يمكن أن نشير إلى الآتي:
ليس هناك شيءبمفرده يستطيع تحقيق النجاح الباهر أو التسبب في الإخفاق الذريع، وهذهالمسألة مزلة أقدام حيث إن من شبابنامن يظن أنه عن طريق الذكاء والموهبة أو عن طريق العلم الذي في حوزته أو عنطريق النسب أو المال أو العلاقات الحسنة، يستطيع التفوق على الأقران وركوبعربة القيادة، وهذا في معظمالأحيان لا يكون صحيحاً. النجاح يتضافر فيه عدد من العوامل، أهمها العزيمةوالاهتمام والبيئة الملائمة والتعلم الجيد.
شبابنا الأذكياء العاديون مشكلتهم أنهم لم يمسكوابرأس الخيط، أو لم يضعوا أنفسهم على (سكة النجاح) ولهذا فإنهم أشبه بسيارةفائقة السرعة والجودة، لكن سائقها لا يملك خارطة للتحرك في الصحراء، فهويدور حول نفسه دون أن يصل إلىمبتغاه.
تحديد الأهداف وتحديد المسار في وقت مبكر يعد شيئاً بالغالأهمية: ما الذي أريده، وأين سأعمل، وماذا سأدرس، وإلى أين سأصل، وماوسائلي إلى كل ذلك.
التعليم له تأثير كبيرفي هذا الشأن فالدراسة في جامعة ضعيفة كثيراً ما تفسد تصورات الطالب عنالآفاق الممتدة، وعن الفرص العظيمة، وعدم إكمال التعليم مشكلة أكبر، ولهذافإن الحرص على نيل أعلى شهادةممكنة ومن أفضل مكان ممكن يعد شيئاً في غاية الأهمية.
البيئة التي تحيط بالإنسان على مستوى الأسرة والأصدقاء والأقرباء وعلى مستوى الحي والعمل... تؤثر تأثيراً كبيراً فينوعية التطلعات والطموحات التي يبلورها الفرد لنفسه.
ليحاول الواحد منا أن يكتشف نفسه من جديد ليعرف العوامل التي تجعل منهإنساناً ممتازاً ينفع نفسه، وينفع اللهُ بهعباده، وعليه بعد معرفة تلك العوامل أن يعمل على توفير ما يمكن توفيرهمنها، وعليه أن يتبع بالنسبة إلى البيئة القاعدة التالية "أقيم وأعمل حيثأعطي وأنتج أكثر".
يقول الله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتىيقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).
ربماكان أكثر شيء التصاقا بحياتنا الشخصية واليوميةهو الابتلاء،والابتلاء يعني الاختبار والامتحان. إن كل فرصة عمل وكل عقد جديد وكل أداةلهو جديدة وكل طراز جديد من الملابس وكل صعوبة جديدة... يشكل اختباراً لنا،وإن علينا أن نحاول النجاح فيذلك الاختبار. من الملاحظ اليوم وجود عدد هائل من الأشياء الجديدة التييستفتي الناس حولها، وكثيرٌ منها موضع خلاف بين أهل العلم، وبعضها متفقعلى حكمه، والناس تجاه ذلك أصناف،فمنهم الوقّاف عند حدود الله والذي يحتاط لدينه كما يحتاط لصحة بدنهوسلامة عينه، ومنهم من يترخص ويبيح لنفسه الولوج على منطقة المشبوهوالمشتبه والمختلف فيه، ومنهم من لايبالي بأي شيء من هذا القبيل، فالمهم أن ينجح ولا يشعر بالحاجة إلىالتساؤل: كيف سيتم ذلك النجاح، وهل هو شيء يرضى الله تعالى أو يُسخطه،والمهم أن يأكل وأن يتمتع ويلهو، ولا يهتملحكم كل ذلك. نلاحظ اليوم وجود أعداد كثيرة من الشباب الذينحلقوا لحاهم، والذين خففوها إلى درجة يمكن أن نسميها معها بـ (اللحيةالمجهرية)، وشباب و كبار تراجعت فضيلة الصدقلديهم، وفضيلة الوفاء بالوعد، ولم يعد للكلمة التي يعطونها أي قيمة، تتصلعلى أحدهم فلا يرد، وتأتيك منه رسالة تقول: أنا في اجتماع، سأتصل بك.وتنتظر الاتصال، وقد يطول انتظارك،ولكن دون أن يتصل أحد! نساء كثيرات يسايرن (الموضة) بشكل دائم، وصرنانرى أشكالاً عجيبة من الحجاب الذي يصف كل مقاطع جسم المرأة (لكن الشعرمغطى!)، ويلفت الأنظار، وكأن المراد منهالشهرة وليس الستر. تراجعات كثيرة تتم في كل ميدان وكل صعيد! التدين صمود وثبات واستمرار والتزام ومجاهدة للنفس ومدافعة للزيغ والانفلات، والتدين صدق وأمانةواستقامة وتضحية وعطاء، والجزاء جنة عرضها السموات والأرض ورضوان من الله ورحمات. شيئانيساعدان المسلم على الصمود: الوعي بأهدافه والوعي بواجباته. إن هدفنا هوالفوزبرضوان الله تعالى وإن الطريق إلى ذلك هو الوقوف عند حدود الله والقيامبأمره وأداء ما افترضه علينا. لنرصد التراجع في حياتنا، ولنعمل علىاستدراكه، فذاك من الصمود والثبات؛وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: (ياعبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل). إن إيصالالإسلام نقيّاً إلى الأجيال القادمة هوجزء من أداء الرسالة الذي على كل مسلم أن يلتزم به، وجزء من إيصال صوتنبينا صلى الله عليه وسلم للعالمين، وهنيئا لأولئك الصامدين فيالبأساء والضراء والشاكرين في السراءوالرخاء والقائمين على أمر الله في كل حين.