كان يوماً صعباً قبل بضعة أسابيع، ذلك الذي كان مقرراً فيه أن أناقشرسالتي، مجهود السنوات الماضية كله مرهون بما سيحدث هذا الصباح. وعلىالعكس من توقعاتي - وبتوفيق من الله - سارت الأمور على ما يرام. كانت هناكأسئلة سهلة وأخرى صعبة وثالثة من النوع الذي تحتاج لكي تجيب عليها بشكلصحيح إلى أن تفكر "على قدميك" كما يقول التعبير الإنجليزي، ورابعة تشعرفعلاً بأن حصولك على درجة الدكتوراه مرهون بإجابتك عليها. في كل الأحوالفقد كان النقاش العلمي على مستوى عالٍ وبالتالي ماتعاً إلى حد كبير،والنتيجة كما أشتهي بحمد الله. لاحقاًسأقضي بعد الوقت مع الممتحن الداخلي من جامعتي، ليخبرني عن التعديلاتالمقترحة على رسالتي قبل أن أقوم بطباعة النسخة التي سيتم اعتمادها.أمضينا ساعة نتحدث، وكان اليوم على نهايته وكنت مرهقة جداً، ولكن بدلاً منالعودة للبيت وجدت نفسي في امتحان من نوع آخر! بدأ الممتحن يتحدث عنطلبته من المسلمين، وتحدث عن طالبة سابقة من الخليج، وأنها ابنة رجلمشهور، ثم ابتسم بخبث وقال حين يزورونني هنا فإنهم يشربون الخمور التييتعففون عن شربها في بلدهم! كان من الواضح أن الرجل يريد أن يفتح نقاشاً،ولهذا بدأ بهذه العبارات الاستفزازية. في الحقيقة كانت مناقشةالدكتوراه قد استنزفت قدراتي العقلية والجسدية، فهممت بألا أرد. لكن صوتاًداخلياً جاءني موبخاً: "بذلتِ مجهوداً وطاقة في الدفاع عن أمر دنيوي قبلساعتين.. وتبخلين ببضع كلمات أو دقائق من أجل دينك؟"، وهكذا وجدت نفسي فيهذا الحوار. وجدت الرجل يهاجم الديانات الثلاث، ويعتبر بأن موسى وعيسىومحمد عليهم السلام، رجال أذكياء، استطاعوا أن يطوعوا الناس لإرادتهم وأنيجعلوهم يؤمنون برسالاتهم رغم كل ما فيها من تناقضات. أما الله فغيرموجود، ونظرية دارون تفسر كل شيء، ولا يوجد سبب لحياتنا ولا لموتنا ولنيكون، وأنا عالم ولا أؤمن إلا بما يثبته العلم، ولا تقولوا لي عن نظرياتالإعجاز العلمي للقرآن فهي مضحكة، ما أسهل أن نؤول كل شيء على النحو الذينريد. ثم لماذا عليك أن تتحجبي وليس مطلوباً ذلك من الرجل؟ سألتهبهدوء: لماذا يزعجك حجابي في حين أنه لا يزعجني أنا؟ رد بشكل قاطع: "لأنهأمر غير بريطاني.. غير غربي"، وكأنه أراد أن يقول: "غير حضاري". وهنا كنتأقول بأنه يعتقد إذن الحضارة هي ما الغرب عليه، وغير ذلك غير حضاري ولايجب أن يؤخذ به؟ عفواً، ولكن أحد الأشياء التي سأخرج بها من دراستيللدكتوراه هي تعلمي لضرورة التمحيص والتدقيق في كآفة الآراء قبل تبنيأحدها، وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه يملك كافة الإجابات. وقياساً على مايقوله فعليّ أيضاً أن أرفض كل شيء هنا لأنه ليس إسلاميا وليس سعوديا،وعندها سأوصف بالتعصب وضيق الأفق! غير الأستاذ مجرى الحديث قليلاًمتحدثاً بأنه ولو افترضنا جدلاً أن الله موجود فمن السخف أن يهتم بما نأكلأو نشرب، وأن يتحكم فينا على هذا النحو، هذا تدخل في الحريات الفردية، ألاترين كيف أنه تم استغلال الدين للتحكم بالناس؟ وأن السياسة استغلت الدين؟فتسلط الطغاة على الشعوب، وتسلط الرجال على النساء؟ ردي كان بأنه أماأن الساسة والمرتزقين بالدين من الرجال قد استغلوه أبشع استغلال فهذا واقعلا يمكن إنكاره، لا في الماضي ولا في الحاضر، لكن ذلك لا يعني بأن المشكلةفي الدين ذاته. أما بالنسبة للحريات الفردية، فهنا يتضح الفرق بينالإسلام والحضارة الغربية الحديثة. في الحضارة الغربية حريات الأفرادمقدسة إلى أبعد حد، حتى لو أضرت بالمجتمع، فالتضحية تكون بالجماعة لأجلالفرد، في حين الإسلام يعلي من قيمة الأسرة ومن ثم المجتمع الذي هو ركيزةكل حضارة، وبالتالي قد يضحي بحرية الفرد لأجل الجماعة. أنت كما تفضلت تشربالخمر ولا تسكر، لكنك أستاذ جامعي متزن قادر على التحكم في تصرفاتك، لكننانعلم بأن المجتمع الذي نعيش فيها يعاني من مشكلة الشرب الزائد إلى درجةتكاد تزلزل أركان المجتمع. فحوادث السيارات والاعتداء على الأعراضوالسرقات والعنف الأسري التي تعلن عنها وسائل الإعلام غالباً ما يكونوراءها شخص مخمور، وهكذا من أجل لذته هو كان علينا جميعاً أن نعاني.والأمر نفسه ينطبق على العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ففي حين أنالأمر متاح هنا لأن في ذلك إشباعا لهوى الطرفين، فإنه في المقابل ينتجأطفالا يكون مصيرهم غالباً التشرد بين دور الرعاية، أو العيش بدون أم أوبدون أب. ومع أن الحكومة تقوم بالإنفاق على هؤلاء المراهقات الأمهاتبسخاء، فتعطيهن بيتاً ومصروفاً وأموراً لا تتوفر للأسر الطبيعية، فإنالنتيجة ليست كما نشتهي. المال وحده لا ينشئ مواطناً صالحاً، تحتاج إلى أبوأم وبيت سليم لتربي طفلاً تربية سليمة. وها نحن نرى اليوم عصابات أولادالشوارع التي زلزلت أمن البلاد، وبالعودة للجناة نجدهم قادمين من البيوتالمفككة التي تعرف بعائلات الأم العازبة. كل هذا لأن رجلاً وامرأة لميفرغا شهوتهما وطاقتهما بالشكل الصحيح. وهكذا نجد للأم الواحدة أربعةأطفال لكل منهم شكل ولون مختلف. فالحرية المطلقة وهم، ولا بد من قيودمعقولة لتستقيم حياة البشر. شعرت بأنه بدأ يفكر فيما قلته، لكنه عادليقول أنا قرأت الديانات الثلاث ولم أجد ضالتي، أنا لا أؤمن بالمطلق ولاأكفر بالمطلق، أنا لا أرى أن فكرة وجود الله مقنعة، لكنني مازلت أضعها فيالحسبان.. أحياناً. علقت بأنه ما دمت لا تبحث في هذه الأديان بقلب متجردمن الهوى فسيصعب عليك أن تصل إلى شيء، فلديك أحكام مسبقة، لو بحثت وأنتترتدي قبعة العالم الباحث عن الحقيقة لا من يبحث عن القصور فيما هو أمامهفربما سيتغير موقفك. هنا كان عليّ فعلاً أن أستأذن، شكرني محدثي وقال أن آتي في أي وقت بشأن تعديلات الرسالة، وإنه سعيد بنقاشنا. فييوم آخر كنت أتناول الغداء مع صديقتي إيفا ("الوطن" 2931)، سألتها بحكمكونها مسيحية وعلمانية، عن السبب الذي يجعلني أتعرض لهذه الأسئلة أكثر منزملائي الرجال؟ ثم لماذا تصرف الممتحن معي على هذا النحو، ولم يقم بذلك معطلابه المسلمين؟ ابتسمت وقالت "لأنك يا عزيزتي تمثلين كل ما يمكن أنيدحض أفكاره الاستعلائية. يا مرام لسنوات طويلة كان الغرب ينظر للحجابوالمرأة المحجبة بدونية، وأن الحجاب ليس أكثر من وسيلة ذكورية للقمع،ولحجب روح المرأة وعقلها، لذلك لم يكترثوا به كثيراً، لأن المرأة المسلمةآنذاك كان هذا هو وضعها فعلاً. لكن اليوم الوضع اختلف فالجيل الجديد منالمسلمات في الغرب، متعلمات وذكيات وواثقات من أنفسهن، وهنا تكمن الخطورة! مجرد كونك طالبة مسلمة ومحجبة تدرس تخصصاً علمياً تقنياً تنفر منه الفتياتالغربيات أصلاً بل وتحضرين درجة الدكتوراه فيه هو أمر مستفز لكل المعتقداتالغربية المسبقة عن المرأة المسلمة، ثم جلوسك في قاعة الامتحان وأداؤكالجيد هناك هو أكثر استفزازاً، إذن فحجابك لم يحجب عقلك وهنا القضية،فأصبح مهتماً بأن يعرف كيف تقبل فتاة متعلمة على هذا النحو أن ترضخ (بعيداً عن الوطن الأم) لما يعتبره هو تمييزاً بغيضاً؟!". حين فكرت فيكلامها استطعت أن أفهم فعلاً لماذا أصبح الحجاب قضية عالمية مقلقة، ولماذاتطرفت فرنسا حد منع الحجاب في المدارس، فحجاب الجدات الأميات، والأمهاتالخائفات ربما كان مطلوباً، لكن حجاب الشابات الطموحات اليوم يشكل دعاية "فجة" بنظرهم لقيم الإسلام التي تعارض أهم ما يقدسه الغربي: حريته الفردية. فلأولئكالذين كثيراً ما وصفوا الإسلام بأنه منغلق في وجه الآخر، وبالمقابل يمجدونالغرب بالمطلق، هل يمكن أن يكونوا أكثر اعتدالاً ويعترفوا بأن أيأيديولوجية تخاف مما يناقضها؟ أو ممن قد يكشف عوارها؟
دموع سخية نقرأ كثيراً ونسمع عن قصص مؤسفة تتحدث عن العقوق الذي يسود العلاقات العائلية في بعض الأسر, وتنتج عنه تصرفات مشينة تثير الغضب! وقد شدني موضوع نشر في صحيفة الرياض ورد في مقدمته صراع حاد بين أخوين من أجل أمهما!
حيزان رجل مسن من الأسياح (قرية تبعد عن بريدة 90 كم) بكى في المحكمة حتى ابتلت لحيته! فما الذي أبكاه؟ هل هو عقوق أبنائه؟ أم خسارته في قضية أرض متنازع عليها؟ أم هي زوجة رفعت عليه قضية خلع؟ في الواقع ليس هذا ولا ذاك, ما أبكى حيزان هو خسارته قضية غريبة من نوعها, فقد خسر القضية أمام أخيه, لرعاية أمه العجوز التي لا تملك سوى خاتم من نحاس! فقد كانت العجوز في رعاية ابنها الأكبر حيزان, الذي يعيش وحيدا, وعندما تقدمت به السن جاء أخوه من مدينة أخرى ليأخذ والدته لتعيش معه, لكن حيزان رفض محتجا بقدرته على رعايتها, وكان أن وصل بهما النزاع إلى المحكمة ليحكم القاضي بينهما, لكن الخلاف احتدم، وتكررت الجلسات، وكلا الأخوين مصر على أحقيته برعاية والدته! وعندها طلب القاضي حضور العجوز لسؤالها, فأحضرها الأخوان يتناوبان حملها في كرتون فقد كان وزنها20 كيلوجراماً فقط! وبسؤالها عمن تفضل العيش معه, قالت وهي مدركة لما تقول: هذا عيني مشيرة إلى حيزان وهذا عيني الأخرى مشيرة إلى أخيه! وعندها اضطر القاضي أن يحكم بما يراه مناسبا, وهو أن تعيش مع أسرة الأخ الأصغر فهم الأقدر على رعايتها! وهذا ما أبكى حيزان! وما أغلى الدموع التي سكبها حيزان, دموع الحسرة على عدم قدرته على رعاية والدته بعد أن أصبح شيخا مسنا! وما أكبر حظ هذه الأم لهذا التنافس! ليتني أعلم كيف ربَّت ولديها للوصول لمرحلة التنافس فى المحاكم على رعايتها! وهذا درس نادر في البر في زمنٍ شح فيه البر! ابكِ يا عاق الوالدين فلعل قلبك يرق ويحن لأمك!
كثيرون هم أولئك الذين يوصون الفتاة ليلة زفافها، لكن قلما توصي الأم ابنها في تلك الليلة. والآن وبعد أن وصل ابني لسن الزواج، ها أنا أكتب وصية له، سطورًا منثورة، وعظات حية تميط اللثام عن المواقف والخلال المكدرة. اعلم بُني الحبيب أنك ستأخذ هذه الفتاة من بين أهلها، بيت نشأت فيه عشرين سنة أو أقل أو أكثر، من بين والديها الحبيبين، وإخوتها، وشقيقات روحها، فهذه أول صدمة تصدم بها الفتاة حيث تُنتزع من بين أهلها إلى رجل لم تُخلق بطباعه، ولم يُخلق بطباعها، فأول ما تبادر به ألا تحرمها من أهلها، فأشعرها بالأمان، فمتى رغبت في زيارة أهلها فلا تمانع من ذلك. ثم ضع في بالك أمرًا غفل عنه كثير من الرجال وهو وصية الحبيب صلى الله عليه وسلم لكم خاصة (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم) وعوان: أي (أسيرات). فالزوج المؤمن يرى أنه مجازىً بالإحسان، مأخوذ بالإجرام. فلا يحيا لطبائع الأثرة والاستعلاء. واعلم يا بني أن الزوجة ليست أَمَةً وأنت السيد، بل أنتما شريكان ستديران المركب بمجدافين. عليك مسؤوليات، وعليها مسؤوليات، فرحم الله زوجًا سهلاً رفيقًا لينًا رؤوفًا. وانتبه بني من لحظات الغضب، فإنه يمهد النفس لقبول شتى الوساوس، ومتى صحا الغضوب من نزوته راح يندم على ما فرط منه. فلا تدع النزاع يستفحل ولا تدع الحرب تنشب. واحذر من إسقاط الإهانات فتكون كوخز الإبر، ولا ترسل الكلام على عواهنه فتقذف بألفاظ جارحة تظل تبعاتها على مر السنين، فالمرأة يا بُني لا تنسى أبدًا، وستظل جروح كلماتك تنزف في قلبها على مر الأيام والسنين، مهما أحسنتَ معاملتها، فلا تدع لسانك حبلاً مرخيًا في يد الشيطان، بل عود لسانك على الجميل من القول فإن ثماره حلوة يانعة، والكلمة الطيبة غذاء الروح. وليكن قدوتك الحبيب ـ عليه الصلاة والسلام ـ فما انتقم لنفسه قط، بل كان يعالج الأخطاء بالرفق. فلا تستخفنَّك التوافه، واحتفظ برجاحة فكرك، وابنِ حياتك على فضيلة الصبر، فإن أساسه متين. فالعشرة والمودة والإغضاء عن الهفوات خصال تعتمد على الصبر الجميل. والمؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. فكن من المحسنين الذين قال الله فيهم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. وعليك أن تدرك أن المرأة تحتاج إلى الاحترام والتقدير أشد من حاجتها إلى العطف والحنان، فالطابع على أغلب الرجال تملكه الأنفة والشموخ أمام أهله بعد الزواج، فيظهر لأهله أنه البطل المغوار الذي قطع رأس الثعلب ليلة الزفاف، فربما تنازل عن نبل خصاله وبخاصة أمام أهله: هاتي، أحضري، افعلي، وقد يتعرض لها بألفاظ محرجة، ونقد قاس. واعلم يا قرة العين أن احترامك لها أمام أهلك سيجعلها تعطيك أضعافًا من الاحترام، وهذا ما يتمناه الرجل، فإن أشد ما يؤلم المرأة تعنيفها أو لومها أمام الآخرين، فالمرأة فياضة الحنان والعاطفة، فإذا وجدت منك احترامًا وجدتَ عندها السلوى والراحة والمتاع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (الدنيا متع وخير متاعها المرأة الصالحة)، ومتى جفوتَ عليها فستجفو عليك ربما ليس في الظاهر، بل تغور في جذور قلبها فتخفيها رغبة منها في استمرار حياتها، فقدم لنفسك خيرا لتستمع بهذا المتاع. وهناك أمر مهم: لا تدع حياتك معها عسكرية تحتوي على الأوامر والنواهي، فإن استطعت أن تتناول كأس الماء بنفسك فافعل، فإنك كنت في الغالب تأخذ بنفسك في بيت والدتك، وكنت أحيانًا ربما صنعت طعامك بنفسك، بل وخطر على بالك مرة أن تصنع عصيرًا مكونًا من الحليب والموز، فلماذا الآن تتحكم في كل صغيرة وكبيرة، ما الذي يمنعك من مساعدتها في تحضير سفرة الطعام، فلست أنت خير من الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي كان في خدمة أهله حتى تحضر الصلاة. تقول عائشة رضي الله عنها: (كان بشرًا من البشر: يُفلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه). وكان صحابته يقتدون به، فمثلاً كان عليه الصلاة والسلام يحب التطيب، واستعمال السواك، وها نحن نسمع ابن عباس يقول: (إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف [آخذ] كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي، لأن الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. وإنه تمر على المرأة أمور بعد زواجها عسيرة، كالحمل مثلاً، تتغير فيها نفسيتها، فجهِّزْ نفسك لهذا الأمر وحاول أن ترفع درجة العناية بها، فالله تعالى يقول: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ}، والرجال يقولون: [دلع وميوعة]. وليكن لديك رحمة تجعلك ترق لآلامها، فإنه يمر عليها أمور من الوحم والثقل والخوف، مما يجعلها ربما تقصر تجاهك، أو تجاه منزلها، فلا تكلفها من الأمر شططًا، بل التمس لها العفو والحرمة والمعونة، فهي تحتاج إلى من يبعث الطمأنينة في نفسها وأنت أقرب الناس إليها. ولا تكرر عليها الكلمات المألوفة التي لا تغير من الأمر شيئًا، أمي كانت..، جدتي كانت.. أم جدتي كانت..، فكل جيل يا عزيزي يختلف عن الجيل الذي يليه، فأنت لست كأبيك، ولا مثل جدك... وإذا كنت يا حبيبي ممن يفضلون تناول الإفطار في الصباح، فلا داعي لأن توقظ زوجتك على جميع الأحوال، فتنازل عند تعبها أو سهرها مع طفلها، فها أنت الآن تحب كثيرًا تناول فطورك في [الكافتيريات]. وإذا جاءت طبخة الطعام على غير مزاجك فالتزم الصمت، فأنت لا تعلم كم نبذل من المجهود لإعداد الطعام وتزيينه لك! وليكن لديك مصفاة تحجز الأكدار وتخفي العيوب فإذا اليابس يخضر، والكدر يصفو. وحاول أن تمتدحها غالبًا! فلا تكون الحياة مملة وعلى وتيرة واحدة. تحسس مواضع الجمال فيها فمثلاً: ابتسامتك جميلة، هذا الإكسسوار رائع، ما تكلفة ذلك؟ إنك بهذا سترفع ثقتها بنفسها وستجعلها دائمًا تهتم بزينتها ولباسها وخاصة لك. ولا تفكر في السفر وحدك دون اصطحاب زوجتك إلا إذا كانت هناك ضرورة قصوى، واحذر من أن تثير غيرتها بذكر محاسن امرأة أخرى ولو كانت أختك. ثم هناك عقدة كبيرة تعانيها غالبية النساء، وهي أن الرجل بعد زواجه بشهر أو شهرين يبدأ بذكر الزوجة الثانية على سبيل المزاح، فيجعله كابوسًا يؤرق حياة المرأة، وهناك مثل يقول: 'ذبابة لا تقتل ولكنها تكدر النفس'، وربما جعله سيفًا يشهره على زوجته كلما حصل بينهما سوء تفاهم، فاعلم أيها الغالي أن الله عنده كل شيء بمقدار، فأريدك أن تكون مثاليًا بين الرجال، فامح هذا الموضوع من قاموس حياتك الزوجية ولا تتطرق له أبدًا. وهناك صفة دنيئة موجودة في بعض الرجال وهي التنقيص من شأن أهلها، فدائمًا يحقر من شأن أبيها أو أخيها أو غيرهما ممن يلوذ بها كزوج أختها، فيسلط عليهم موجة عاتية من التفاهة والتسطيح. فاحترم شعورها نحو أهلها لتحترم شعورك بالمقابل. وإني أرى فيك نضوج العقل، وبك ذكاء، فضلاً من الله ونعمة، ولا أظنه إلا سيتحول إلى وسيلة جيدة لتحقيق أغراض السعادة بإذن الله. فنحن قد نحسن أو نسيء في استخدام المفاتيح التي يسرت لنا. وما أجمل أن تكون زوجتك صديقتك تسد خللها وتستر زللها وتتجاوز عن هفواتها! فهي صديقة العمر التي تخالطك في السراء والضراء وسط زحام الحياة وتطاحن الأزمات، فلا شيء يخفف أثقال الحياة عن كاهل الزوجين كمثل أحدهما للآخر. وعودها على أن تنجز ما وعدتها به، فضعف الذاكرة، وضعف العزيمة عائقان كثيفان عن الوفاء بالواجب، ولا تقارن نفسك بالنماذج المنتشرة بين الرجال، ولتتطلع نفسك إلى المثل العليا، والنماذج المتميزة. فالأخلاق الزكية إنما تخرج من قلب مؤمن يعرف الله ويتهيأ للقائه، ويرجو وعده، ويخشى وعيده والشمائل الرقيقة طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. يقول مريد الخير (أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، فإن عملت به أيقنت ثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه). ولتعلم يا بُني أن برَّ والديك واجب عليك، فلا تكلف زوجتك به، ولتكن منصفًا تعطي كل ذي حق حقه، ولا تدع الخيط مشدودًا بين زوجتك ووالدتك فتنقل عن هذه أو تنقل إلى هذه، فلو دققت النظر في كثير من المشكلات لرأيت التطاحن المر بين الزوجة ووالدة الزوج، والذي يعود سببه إلى عدم حسن إدارة الزوج. فكن شديد الحذر من عواقب الفرقة والاعتزال.
وأمر أخير ألا وهو: عليك أن تعلم أن العلاقة المادية بين الزوجين مفسدة للزواج، بل مفسدة لأي علاقة بين اثنين. فإن أعطيتها مالاً فلا تحاسبها عليه. وقد يكون من المناسب أن تخصص لها مبلغاً شهرياً تعطيها إياه تصرفه على نفسها دون تدخل منك. ونهاية المطاف: أكثِر من شكر الله تعالى أن وهبك زوجة حيية، عفيفة، ملتزمة ناضجة فهي جوهرة مكنونة يندر وجودها في هذا الزمان والله تعالى يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، وكنْ من القليل الذين قال الله فيهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.
مديرة مدرسة عزباء غابت عن المدرسة يومين. ولما عادت لمدرستها قابلتها المعلمات بالسؤال: أين كنت؟
قالت: تزوجت!
قلن: مبارك! ولكن من هو صاحب الحظ السعيد؟
قالت: بصراحة زوجي هو زوج إحداكن!
قلن بصوت واحد: أي وحدة منا؟
قالت: لن أقول! حاولوا أن تعرفوا بأنفسكن!
وبعد الإلحاح عليها قالت: كل واحد تأتي غدا ومعها خمسمائة ريال وتضعها على الطاولة. فإذا أخذت مبلغها فزوجي ليس زوجها، وإذا تركت مبلغها لها فزوجي هو زوجها!
وفي اليوم التالي كل واحدة كانت تضع الخمسمائة وعيونها على أيدي المديرة، فأخذت المديرة تلعب بأعصابهن وتتلكأ بأخذ المبلغ! وكل واحد تتنفس الصعداء إلى تأخذ المديرة مبلغها!
وهكذا فعلت بـ 23 معلمة، لكن بقي واحدة لم تأتِ. فاتصلت عليها واحدة منهن وأرادت أن تلعب بأعصابها كما فعلت المديرة. قالت لها: أبَتْ المديرة أن تتكلم إلا بعد أن تحضري. قالت: ولكن مريضة. فأصرت عليها أن تحضر، فجاءت وهي تتحامل على نفسها! ففعلت بها المديرة المقلب نفسه، ثم أخذت مبلغها!
وهكذا صار بيدها 12 ألف ريال!
فأخذت المعلمات يتباحثن: لقد أخذت كل المبالغ! فهل لعبت علينا؟!
فتشجعت إحداهن وقالت: لقد أخذتِ كل المبالغ ولم تتركي شيئاً! فما السر في ذلك!
قالت المديرة: أنا والله ما تزوجت، لكن كنت مريضة خلال هذين اليومين! إنما لما طلبت منكن أن تدفعوا مائة ريال لإصلاح المصلىولا وحدة منكن دفعت! فخططت لآخذ 500 ريال بدلاً من مائة!
قالت المعلمات: فداك المبالغ كلها ولو أردتِ أكثر لأعطيناكِ، المهم ألا يتزوج أزواجنا علينا!
ما يستفاد من القصة
1- المرأة تدفع أموال الدنيا كلها حتى لا يتزوج زوجها عليها!
2- المدير الناجح هو من يفكر في عمل مفيد اجتماعياً ويستطيع فرضه بإقناع!
3- الخير موجود في النفس ولكن يحتاج إلى إيقاظ في بعض الأوقات!
الخطأ سلوك بشري لا بد أن نقع فيه، حكماء كنا أو جهلاء. وليس من المعقول أن يكون الخطأ صغيراً فنكبره ونضخمه. بل لابد من معالجته بحكمة وروية. وأياً كان الأمر فإننا نحتاج بين وقت وآخر إلى مراجعة أساليبنا في معالجة الأخطاء.
ومعالجة الأخطاء فن خاص بذاته يقوم على عدة قواعد منها:
القاعدة الأولى
لوم المخطئ لا يأتي بخير غالباً
فاللوم لا يأتي بنتائج إيجابية في الغالب! وقد أوضح لنا أنس رضي الله عنه أنه خدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات ما لامه على شيء قط.
واللوم مثل السهم القاتل لأنه يحطم كبرياء النفس وليس في الدنيا أحد يحبه.
القاعدة الثانية
أبعد الحاجز الضبابي عن عين المخطئ
فالمخطئ لا يشعر أنه مخطئ. ولا بد أن نزيل الغشاوة عن عينيه ليكتشف خطأه. وفي قصة الشاب الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وبكل جرأة وصراحة استأذنه في الزنا! فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أترضاه لأمك؟ قال: لا!
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم... الحديث).
القاعدة الثالثة
استخدام العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ
فإن من البيان لسحراً. فلنستخدم هذا السحر الحلال في معالجة الأخطاء. فمثلاً حينما نقول للمخطئ (لو فعلت كذا لكان أفضل)! (ما رأيك لو تفعل كذا)؟ (أنا اقترح أن تفعل كذا، فما رأيك)؟. أليس هذا أفضل من قولنا: يا قليل الأدب... ألا تفهم؟ أمجنون أنت؟ كم مرة نبهتك؟.
القاعدة الرابعة
ترك الجدال أكثر إقناعاً
فتجنب الجدل في معالجة الأخطاء أكثر إقناعاً وأعمق أثراً. وبالجدال قد نخسر. لأن المخطئ قد يربط الخطأ بكرامته فيدافع عن الخطأ ويجد في الجدل متسعاً ويصعب عليه الرجوع عن الخطأ! فلنترك الأبواب مفتوحة ليسهل عليه الرجوع.
القاعدة الخامسة
ضع نفسك موضع المخطئ ثم ابحث عن الحل
حاول أن تضع نفسك موضع المخطئ و فكر من وجهة نظره وفكر في الخيارات الممكنة التي يمكن أن يتقبلها واختر منها ما يناسبه.
القاعدة السادسة
ما كان الرفق في شيء إلا زانه
فبالرفق نكسب ونصلح الخطأ ونحافظ على كرامة المخطئ. وكلنا يذكر قصة الأعرابي الذي بال في المسجد وكيف عالج ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق.
القاعدة السابعة
دع الآخرين يتوصلون لفكرتك
دعه يكتشف الخطأ بنفسه ثم يكتشف الحل بنفسه. فبذلك يكون أكثر حماساً للحل لأنه من فكرته هو.
القاعدة الثامنة
إذا انتقدت فاذكر جوانب الصواب
حتى يتقبل الآخرون نقدك المهذب وتصحيحك للخطأ أشعرهم بالإنصاف خلال نقدك، أي لا تغفل نسبة الصواب في عملهم فاذكرها.
القاعدة التاسعة
لا تفتش عن الأخطاء الخفية
حاول أن تصحح الأخطاء الظاهرة ولا تفتش عن الأخطاء الخفية لأنك بذلك تفسد القلوب. ولأن الله سبحانه وتعالى نهى عن تتبع العورات.
القاعدة العاشرة
استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن
عندما يبلغك خطأ عن إنسان فتثبت منه واستفسر عنه مع حسن الظن به فأنت بذلك تشعره بالاحترام والتقدير كما يشعر هو بالخجل وأن هذا الخطأ لا يليق بمثله. كأن تقول وصلني أنك فعلت كذا ولا أظنه يصدر منك.
القاعدة الحادية عشرة
امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب
فمثلاً عندما تربي ابنك ليكون كاتباً مجيداً فدربه علي الكتابة وأثن عليه واذكر جوانب الصواب فإنه سيستمر بإذن الله.
القاعدة الثانية عشرة
الكلمة القاسية لها كلمة طيبة مرادفة تؤدي المعنى نفسه
ولنعلم أن الكلمة الطيبة تؤثر والكلام القاسي مرفوض.
القاعدة الثالثة عشرة
اجعل الخطأ هيناً ويسيراً وابنِ الثقة في النفس لإصلاحه
فالاعتدال سنة في الكون أجمع وحين يقع الخطأ فليس ذلك مبرراً للمبالغة في تضخيم حجمه.
دخل حمار مزرعة رجل وبدأ يأكل من زرعه الذي تعب في حرثه وبذره وسقيه. بدأ الرجل يفكر كيف يُـخرج الحمار؟ إنه سؤال محير! أسرع الرجل إلى البيت وجاء بعدَّةِ الشغل، فالقضية لا تحتمل التأخير! أحضر عصا طويلة ومطرقة ومسامير وقطعة كبيرة من الكرتون المقوى وكتب على الكرتون بالخط العريض: يا حمار أخرج من مزرعتي ثبت الكرتون بالعصا الطويلة مستخدما المطرقة والمسامير ثم ذهب إلى حيث الحمار يرعى في المزرعة ورفع اللوحة عالياً! لقد وقف رافعاً اللوحة منذ الصباح الباكر وحتى غروب الشمس! ولكن الحمار لم يخرج! حار الرجل وقال في نفسه: ربما لم يفهم الحمار ما كتبتُ على اللوحة! فرجع إلى البيت ونام. وفي الصباح التالي صنع عدداً كبيراً من اللوحات.